الشيخ محمد هادي معرفة

63

تلخيص التمهيد

4 - مصطفى الرافعي وقال الأُستاذ مصطفى صادق الرافعي : وقد كان من عادة العرب أن يتحدّى بعضهم بعضاً في المساجلة والمقارضة بالقصيد والخطب ، ثقة منهم بقوّة الطبع ، ولأنّ ذلك مذهب من مفاخرهم . يستعلون به ويذيع لهم حسن الذكر وعلوّ الكلمة ، وهم مجبولون عليه فطرةً . ولهم فيه المواقف والمقامات في أسواقهم ومجامعهم . فتحدّاهم القرآن في آيات كثيرة أن يأتوا بمثله أو بعضه ، وسلك إلى ذلك طريقاً كأنّها قضية من قضايا المنطق التأريخي ، فإنّ حكمة هذا التحدّي وذكره في القرآن إنّما هي أن يشهد التأريخ في كلّ عصر بعجز العرب عنه وهم الخطباء اللدّ والفصحاء اللسن ، وهم كانوا في العهد الذي لم يكن للغتهم خير منه ولا خير منهم في الطبع والقوّة ، فكانوا مظنّة المعارضة والقدرة عليها ، حتّى لا يجيء بعد ذلك فيما يجيء من الزمن ، مولّد أو أعجمي أو كاذب أو منافق أو ذو غفلة ، فيزعم أنّ العرب كانوا قادرين على مثله . أمّا الطريقة التي سلكها إلى ذلك فهي أنّ التحدّي كان مقصوراً على طلب المعارضة بالمثل ، ثمّ قرن التحدّي بالتأنيب والتقريح ، ثمّ استفزّهم بعد ذلك جملةً واحدة ، كما ينفج الرماد الهامد « 1 » ، فقال : « وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ » « 2 » فقطع لهم أنّهم لن يفعلوا ، وهي كلمة يستحيل أن تكون إلّامن اللَّه ولا يقولها عربيّ في العرب أبداً ، وقد سمعوها واستقرّت فيهم ودارت على الألسنة ، وعرفوا أنّها تنفي عنهم الدهر نفياً وتعجزهم آخر الأبد ، فما فعلوا ولا طمعوا قطّ أن يفعلوا . وطارت الآية بعجزهم وأسجلته عليهم ووسمتهم على ألسنتهم . « 3 »

--> ( 1 ) . نفجت الريح : هاجت وجاءت بشدّة . ( 2 ) . البقرة : 23 و 24 . ( 3 ) . إعجاز القرآن : ص 169 - 170 .