الشيخ محمد هادي معرفة

61

تلخيص التمهيد

كلاماً ليس بالحضريّ الفاتر ، ولا بالبدويّ الخشن ، بل تراه وقد امتزجت فيه جزالة البادية وفخامتها برقّة الحاضرة وسلاستها ، وقدّر فيه الأمران تقديراً لا يبغي بعضهما على بعض ، فإذا مزيجٌ منهما ، كأنّما هو عصارة اللغتين وسلالتهما ، أو كأنّما هو نقطة الاتّصال بين القبائل ، عندها تلتقي أذواقهم وعليها تأتلف قلوبهم . هل عرفت أنّ نظم القرآن الكريم يجمع إلى الجمال عزّةً وغرابة ؟ وهل عرفت أنّ هذا الجمال كان قوّةً إلهيّةً حُفظ بها القرآن من الفقد والضياع ؟ فاعرف الآن أنّ هذه الغرابة كانت قوّة أخرى قامت بها حجّة القرآن في التحدّي والإعجاز ، واعتصم بها من أيدي المعارضين والمبدّلين ، وأنّ ذلك الجمال ما كان ليكفي وحده في كفّ أيديهم عنه ، بل كان أجدر أن يغريهم به ، ذلك أنّ الناس - / كما يقول الباقلّاني : - إذا استحسنوا شيئاً اتّبعوه ، وتنافسوا في محاكاته بباعث الجبلّة . وكذلك رأينا أصحاب هذه الصناعة يتبع بعضهم بعضاً فيما يستجيدونه من الأساليب ، وربّما أدرك اللاحق فيهم شأو السابق أو أربى عليه ، كما صنع ابن العميد بأسلوب الجاحظ ، وكما يصنع الكتّاب والخطباء اليوم في اقتداء بعضهم ببعض . فما الذي منع الناس أن يخضعوا أسلوب القرآن لألسنتهم وأقلامهم وهم شرع في استحسان طريقته ، وأنّ أكثرهم الطالبون لإبطال حجّته . ما ذاك إلّاأنّ فيه منعة طبيعيّة كفّت ولا تزال تكفّ أيديهم عنه ، ولا ريب أنّ أوّل ما تلاقيك فيه المناعة فيما صوّرناه لك من غريب تأليفه في بنيته ، وما اتّخذه في رصف حروفه وكلماته وجمله وآياته ، من نظام له سمت وحده وطابع خاصّ به ، خرج فيه عن هيئة كلّ نظم تعاطاه الناس أو يتعاطونه ، فلا جَرَمَ لم يجدوا له مثالًا يحاذونه به ، ولا سبيلًا يسلكونه إلى تذليل منهجه . لا نريد أن نحدّثك هاهنا عن معاني القرآن وما حَوته من العلوم الخارجة عن متناول البشر ، فإنّ لهذا الحديث موضعاً آخر يجيء - إن شاء اللَّه تعالى - في بحث الإعجاز العلمي ، وحديثنا الآن كما ترى في شأن الإعجاز اللغوي ، وإنّما اللغة الألفاظ .