الشيخ محمد هادي معرفة

58

تلخيص التمهيد

وبالمثل بعض المشايخ ممّن يقرأ القرآن على سبيل اللعلعة دون أن ينبض شيء في قلبه ، ثمّ المناسبات الكثيرة التي يقرأ القرآن فيها روتينيّاً ، ثمّ الحياة العصرية التي تعدّدت فيها المشاغل وتوزّع الانتباه وتحجّر القلب وتعقّدت النفوس وصدئت الأرواح . وبرغم هذا كلّه فإنّ لحظة صفاء ينزع الواحد فيها نفسه من هذه البيئة اللزجة ، ويرتدّ فيها طفلًا بكراً وترتدّ له نفسه على شفّافيّتها ، كفيلة بأن تعيد إليه ذلك الطعم الفريد والنكهة المذهلة والإيقاع المطرب الجميل في القرآن ، وكفيلة بأن توقفه مذهولًا من جديد بعد قرابة ألف وأربعمائة سنة من نزول هذه الآيات وكأنّها تنزل عليه لساعتها وتوّها . اسمع القرآن يصف العلاقة الجنسية بين رجل وامرأة بأسلوب رفيع وبكلمة رقيقة مهذّبة فريدة لا تجد لها مثيلًا ولا بديلًا في أيّة لغة : « فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً » « 1 » . هذه الكلمة « تَغَشَّاها » . . . تغشّاها رجلها . . . أن يمتزج الذكر والأُنثى كما يمتزج ظلّان وكما يغشى الليل النهار وكما تذوب الألوان بعضها في بعض ، هذا اللفظ العجيب الذي يعبِّر به القرآن عن التداخل الكامل بين اثنين هو ذروةٌ في التعبير . ولهذه الأسباب مجتمعة كان القرآن كتاباً لا يترجم . إنّه قرآن في لغته ، أمّا في اللغات الأخرى فهو شيء آخر غير القرآن . « إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا » « 2 » وفي هذا تحديد فاصل . وكيف يمكن أن تترجم آية مثل : « الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى » « 3 » . إنّنا لسنا أمام معنى فقط ، وإنّما نحن بالدرجة الأُولى أمام معمار ، أمام تكوين وبناء ، تنبع فيه الموسيقى من داخل الكلمات ، من قلبها لا من حواشيها ، من خصائص اللغة العربية وأسرارها وظلالها وخوافيها . ولهذا انفردت الآية القرآنية بخاصّية عجيبة ، إنّها تحدث الخشوع في النفس بمجرّد أن

--> ( 1 ) . الأعراف : 189 . ( 2 ) . يوسف : 2 . ( 3 ) . طه : 5 .