الشيخ محمد هادي معرفة
59
تلخيص التمهيد
تلامس الأُذن وقبل أن يتأمّل العقل معانيها ، لأنّها تركيب موسيقيّ يؤثّر في الوجدان والقلب لتوّه ومن قبل أن يبدأ العقل في العمل ، فإذا بدأ العقل يحلّل ويتأمّل فإنّه سوف يكتشف أشياء جديدة وسوف يزداد خشوعاً ، ولكنّها مرحلة ثانية قد تحدث وقد لا تحدث ، وقد تكشف لك الآية عن سرّها وقد لا تكشفه ، وقد تؤتى البصيرة التي تفسّر بها معاني القرآن وقد لا تؤتى هذه البصيرة . ولكنّك دائماً خاشع ، لأنّ القرآن يخاطبك أوّلًا كمعمار فريد من الكلام . . . بنيان . . . فورم . . . طراز من الرصف يبهر القلب . . . ألقاه عليك الذي خلق اللغة ويعرف سرّها . . . « 1 » 3 - محمّد درّاز وللدكتور محمّد عبداللَّه درّاز نظرة مشابهة ، يجعل من إعجاز القرآن في قشرته السطحية في جانِبي جماله التوقيعي وجماله التنسيقي إلى جنب محتواه من جلائل أسرار . فإنّه جلّت قدرته أجرى سنّته في نظام هذا الكون أن يغشى جلائل أسراره بأستار زاهية بمتعةٍ وجمال . قال : إنّك إذا استمعت إلى القارئ المُجوّد يقرأ القرآن يرتّله حقّ ترتيله نازلًا بنفسه على هوى القرآن ، وليس نازلًا بالقرآن على هوى نفسه ستجد اتّساقاً وائتلافاً يسترعي من سمعك ما تسترعيه الموسيقى والشعر ، على أنّه ليس بأنغام الموسيقى ولا بأوزان الشعر . وستجد شيئاً آخر لا تجده في الموسيقى ولا في الشعر . ذلك أنّك تسمع القصيدة من الشعر فإذا هي تتشابه أهواؤها وتذهب مذهباً متقارباً . فلا يلبث سمعك أن يمجّها ، وطبعك أن يملّها ، إذا أعيدت وكرّرت عليك بتوقيع واحد : بينما أنت من القرآن أبداً في لحن متنوّع متجدّد ، تنقل فيه بين أسباب وأوتاد وفواصل « 2 » على أوضاع مختلفة يأخذ منها كلّ وتر من
--> ( 1 ) . القرآن محاولة لفهم عصري ، مصطفى محمود : فصل « المعمار القرآني » : ص 12 - 19 دارالمعارف بمصر - سنة 1976 . ( 2 ) . مصطلحات موسيقية : الحرف المتحرّك يتلوه حرف ساكن يقال لها « سبب خفيف » . والحرفان المتحرّكان يتلوهما ساكن