الشيخ محمد هادي معرفة

57

تلخيص التمهيد

تلك اللمسات الهائلة . . . كلّ لفظ له ثقل الجبال ووقع الرعود . . . تنزل فإذا كلّ شيء صمت ، سكون ، هدوء ، وقد كفّت الطبيعة عن الغضب ، ووصلت القصّة إلى ختامها : « وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ » . إنّك لتشعر بشيء غير بشريّ تماماً في هذه الألفاظ الهائلة الجليلة المنحوتة من صخر صوان ، وكأنّ كلّ حرف فيها جبل الألب . لا يمكنك أن تغيّر حرفاً أو تستبدل كلمة بأخرى ، أو تؤلّف جملة مكان جملة ، تعطي نفس الإيقاع والنغم والحركة والثقل والدلالة . وحاول وجرّب لنفسك في هذه العبارة البسيطة ذات الكلمات العشر ، أن تغيّر حرفاً أو تستبدل كلمة بكلمة ! ولهذا وقعت العبارة القرآنية على آذان عرب الجاهلية الذين عشقوا الفصاحة والبلاغة وقع الصاعقة ! ولم يكن مستغرباً من جاهليّ مثل الوليد بن المغيرة - عاش ومات على كفره - أن يذهل ، وأن لا يستطيع أن يكتم إعجابه بالقرآن ، برغم كفره فيقول ، وقد اعتبره من كلام محمّد : واللَّه إنّ لقوله لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمغدق ، وإنّه يعلو ولا يُعلى عليه . ولمّا طلبوا منه أن يسبّه قال : قولوا ساحر جاء بقول يفرّق بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته . إنّه السحر حتّى على لسان العدوّ الذي يبحث عن كلمة يسبّه بها . وإذا كانت العبارة القرآنية لا تقع على آذاننا اليوم موقع السحر والعجب والذهول فالسبب هو التعوّد والألفة والمعايشة منذ الطفولة والبلادة والإغراق في عامّية مبتذلة أبعدتنا عن أصول لغتنا ، ثمّ أسلوب الأداء الرتيب المملّ الذي نسمعه من مرتّلين محترفين يكرّرون السوَر من أوّلها إلى آخرها بنبرة واحدة ، لا يختلف فيها موقف الحزن من موقف الفرح من موقف الوعيد من موقف البشرى من موقف العبرة ، نبرة واحدة رتيبة تموت فيها المعاني وتتسطّح العبارات .