الشيخ محمد هادي معرفة
47
تلخيص التمهيد
مجتمعين أو منفردين ، فإن وقع التنازع وحصل الخوف من عدم القبول فالشهود والحكّام يزيلون الشبهة ، وذلك نهاية في الاحتجاج ، لأنّم كانوا في معرفة اللغة والاطّلاع على قوانين الفصاحة في الغاية ، وكانوا في محبّة إبطال أمره في الغاية ، حتّى بذلوا النفوس والأموال ، وارتكبوا ضروب المهالك والمحن ، وكانوا في الحميّة والأنفة على حدّ لا يقبلون الحقّ فكيف الباطل ! وكلّ ذلك يوجب الإتيان بما يقدح في قوله ، والمعارضة أقوى القوادح . فلمّا لم يأتوا بها علمنا عجزهم عنها ، فثبت أنّ القرآن لا يماثل قولهم ، وأنّ التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتاً معتاداً ، فهو إذاً تفاوت ناقض للعادة ، فوجب أن يكون معجزاً . واعلم أنّه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان فصاحته ، ومع ذلك فإنّه في الفصاحة بلغ النهاية التي لا غاية لها وراءها ، فدلّ ذلك على كونه معجزاً . أحدها : أنّ فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات ، مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة ، وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء ، فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتّفقت العرب عليها في كلامهم . وثانيها : أنّه تعالى راعى فيه طريقة الصدق وتنزّه عن الكذب في جميعه ، وكلّ شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نزل شعره ولم يكن جيّداً ، ألا ترى أنّ لبيد بن ربيعة وحسّان بن ثابت لمّا أسلما نزل شعرهما ولم يكن شعرهما الإسلامي في الجودة كشعرهما الجاهلي . وأنّ اللَّه تعالى مع ما تنزّه عن الكذب والمجازفة جاء بالقرآن فصيحاً كما ترى . وثالثها : أنّ الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنّما يتّفق في القصيدة في البيت والبيتين والباقي لا يكون كذلك . وليس كذلك القرآن ، لأنّه كلّه فصيح بحيث يعجز الخلق عنه كما عجزوا عن جملته . ورابعها : أنّ كلّ من قال شعراً فصيحاً في وصف شيء فإنّه إذا كرّره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأوّل . وفي القرآن التكرار الكثير ، ومع ذلك كلّ واحد منها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلًا .