الشيخ محمد هادي معرفة
48
تلخيص التمهيد
وخامسها : أنّه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحثّ على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة ، وأمثالُ هذه الكلمات توجب تقليل الفصاحة . وسادسها : أنّهم قالوا في شعر امرئ القيس : يحسن عند الطرب وذكر النساء وصفة الخيل ، وشعر النابغة عند الخوف ، وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخمر ، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء . وبالجملة فكلّ شاعر يحسن كلامه في فنّ ، فإنّه يضعف كلامه في غير ذلك الفنّ . أمّا القرآن فإنّه جاء فصيحاً في كلّ الفنون على غاية الفصاحة . ألا ترى أنّه سبحانه وتعالى قال في الترغيب : « فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ » « 1 » وقال تعالى : « وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ » . « 2 » وقال في الترهيب : « أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ » « 3 » . وقال : « خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ . يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ » « 4 » . وقال في الزجر مالا يبلغه وهم البشر ، وهو قوله : « فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا » « 5 » . وقال في الوعظ ما لا مزيد عليه : « أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ » « 6 » . وقال في الإلهيّات : « اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ » « 7 » . وسابعها : أنّ القرآن أصل العلوم كلّها ، فعِلم الكلام كلّه في القرآن ، وعِلم الفقه كلّه مأخوذ من القرآن ، وكذلك عِلم أصول الفقه ، وعلم النحو واللغة ، وعلم الزهد في الدنيا ، وأخبار الآخرة ، واستعمال مكارم الأخلاق .
--> ( 1 ) . السجدة : 17 . ( 2 ) . الزخرف : 71 . ( 3 ) . الإسراء : 68 . ( 4 ) . إبراهيم : 15 - 17 . ( 5 ) . العنكبوت : 40 . ( 6 ) . الشعراء : 205 . ( 7 ) . الرعد : 8 .