الشيخ محمد هادي معرفة
447
تلخيص التمهيد
قال الرازي : كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ، ففصل اللَّه بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقرّ الأرض . وهو قول قتادة وسعيد بن جبير ، ورواية عكرمة عن ابن عبّاس . ولأبي مسلم الإصفهاني رأي أسدّ ، قال : يجوز أن يراد بالفتق الإيجاد والإظهار ، كقوله تعالى « فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » . فأخبر عن الإيجاد بلفظ الفتق ، وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرتق « 1 » . وفي كثير من الآيات إشارة إلى هذا المعنى ، منها ما جاء بلفظ « فَطَر » « 2 » أو « فاطر » « 3 » فإنّ الفطر وإن كان المراد به الخلق والإبداع لكنّه بعناية فصله إلى الوجود الخاص ، بحدوده وأبعاده ، بعد أن كان مندكّاً في الوجود الكلّي الشامل ، لا ميز فيه ولا تحديد . وهذا كما يفصّل الخيّاط البزّة الواحدة إلى قمصان وأثواب . وكما يفعل الفخّار بالطينة أشكالًا من الآنية والجِرار . فالكلّ مندمج في الأصل الواحد ، وإنّما يخرجها إلى الوجود فاعلُ الصور والأشكال . * * * وهذا المعنى هو الذي جاء في كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قال - في خلق العالم - : ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء ، وشقّ الأرجاء ، وسكائك الهواء - إلى أن قال في خلق الملائكة : - ثمّ فتق ما بين السماوات العُلا ، فملأهنّ أطواراً من ملائكته . « 4 » وقال - في عجيب صنعة الكون - : ففتقها سبع سماوات بعد ارتتاقها « 5 » . وهذا هو الذي أشارت إليه الآية الكريمة في سورة فصّلت : « ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ . فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ » « 6 » .
--> ( 1 ) . التفسير الكبير : ج 22 ص 163 . ( 2 ) . الأنعام : 79 ، والأنبياء : 56 . ( 3 ) . في ستّ آيات : الانعام : 14 ، ويوسف : 101 ، وإبراهيم : 10 ، وفاطر : 1 ، والزمر : 46 ، والشورى : 11 . ( 4 ) . أولى خطب من نهج البلاغة . والسكائك : جمع سكاكة - بالضمّ - وهي الهواء الملاقي لعنان السماء . ( 5 ) . الخطبة رقم 211 ص 328 بيروت . ( 6 ) . فصّلت : 11 و 12 .