الشيخ محمد هادي معرفة

367

تلخيص التمهيد

عرفت بذلك أنّه يضرب بوترين ، ويتعاقب على نفسه الشعور والتفكير تعاقب الليل والنهار لا يجتمعان . وأمّا أنّ اسلوباً واحداً يتّجه اتّجاهاً واحداً ، ويستهدف هدفاً واحداً ، ويرمي إلى غرض واحد ، ولكنّه مع ذلك قد جمع لك بين الطريقتين : إقناع عقلك وإمتاع نفسك معاً ، وفي آنٍ واحد ، كما يحمل العنصر الواحد من الشجرة الواحدة أوراقاً وأثماراً ، أنواراً وأزهاراً ، معاً ، أو كما تجري الروح في الجسد والماء في العود الأخضر . . . فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر على الإطلاق ، ولا هو من سنن اللَّه في النفس الإنسانية . . . « ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ » . فمن أين لك بكلام واحد وبيان واحد وأسلوب واحد ، يفيض عليك من الحقيقة البرهانية والدلائل العقلانية ، بما يرضي أولئك الفلاسفة الحكماء ، والمتعمّقين النبلاء ، ويرضخ بعقولهم الجبّارة . وإلى جانب ذلك - وفي نفس الوقت - يضفي عليه من المتعة الوجدانية والعذوبة والحلاوة والطلاوة ، ما يسدّ فهم هؤلاء الشعراء المرحين وأصحاب الأذواق الرقيقة الفكهين . ذلك هو اللَّه ربّ العالمين ، الذي لا يشغله شأن عن شأن ، القادر على أن يخاطب العقل والقلب معاً بلسان واحد ، وأن يمزج الحقّ والجمال جميعاً ، يلتقيان ولا يبغيان . . . فيستخرج منهما اللؤلؤ والمرجان . . . ويسقيك من هذا وذاك شراباً طهوراً ، عذباً فراتاً ، سائغاً لذّةً للشاربين . هذا هو الذي تجده في كتاب اللَّه الكريم ، حيثما توجّهت وأينما تولّيت بوجهك . إنّه في فسحة قصصه وأخباره عن الماضين ، لا ينسى حقّ العقل من حِكم وعِبر . وأنّه في مزدحم براهينه ودلائله ، لا يغفل حظّ القلب من رغبة ورهبة وشوق ورجاء . يبثّ ذلك بوفرة شاملة ، في جميع آياته وبيّناته ، في مطالعها ومقاطعها وتضاعيفها ، الأمر الذي « تَقْشَعِرُّ مِنْهُ