الشيخ محمد هادي معرفة
366
تلخيص التمهيد
ونهم عاطفتك ، يقدّمون حقائق المعارف والعلوم ، لا يأبهون لما فيها من جفاف وعري ونبوٍّ عن الطباع . وأمّا الشعراء فإنّما يسعون إلى استثارة وجدانك وتهييج عواطفك وأحاسيسك ، وإمتاع سمعك وضميرك ، فلا يبالون بما صوّروه لك أن يكون غيّاً أو رشداً ، وأن يكون حقيقةً أو تخيّلًا ، فتراهم جادّين وهم هازلون ، يستبكون وإن كانوا لا يبكون ، ويُطربون وإن كانوا لا يطربون « وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ . أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ » « 1 » . وكلّ إنسان حينما يفكّر فإنّما هو فيلسوف ، وكل إنسان حينما يحسّ فإنّما هو شاعر . ولا تتكافأ القوّتان : ( قوّة التفكير وقوّة الوجدان ) . وكذا سائر القوى النفسية على سواء . . . ولو مالت هذه القوى إلى شيء من التعادل عند قليل من الناس فإنّها لا تعمل في النفس دفعة وبنسبة واحدة ، بل متناوبة في حال بعد حال ، وكلّما تسلّطت قوّة اضمحلّت أخرى وكاد ينمحي أثرها . فالذي ينهمك في التفكير تتناقص قوّة وجدانه ، والذي يسعى وراء لذائذه عند ذاك تضعف قوّة تفكيره وهكذا لا تقصد النفس إلى هاتين الغايتين قصداً واحداً أبداً « ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ » « 2 » . وكيف تطمح أن يهب لك إنسان مثلك هاتين الطلبتين على سواء وهو لم يجمعهما في نفسه على سواء ، وما كلام المتكلّم إلّاانعكاس الحالة الغالبة عليه ، ( وكلّ إناء بالّذي فيه ينضح ) . « قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ » « 3 » وفاقد الشيء لا يستطيع أن يمنحك به . هذا مقياس يمكنك أن تتبيّن فيه ما لكلّ لسان وما لكلّ قلم من قوّة غالبة عليه ، حينما ينطق وحينما يكتب . فإذا رأيته يتّجه إلى حقيقة فرغ له بعد ما قضى وطره ممّا مضى . . .
--> ( 1 ) . الشعراء : 224 - 226 . ( 2 ) . الأحزاب : 4 . ( 3 ) . الإسراء : 84 .