الشيخ محمد هادي معرفة
356
تلخيص التمهيد
مُسْتَقَرًّا » « 1 » جاء على التسليم أنّ لهم مستقرّاً خيراً من جهة السلامة من الآلام ، لأنّهم ( أي المشركون ) ينكرون إعادة الأرواح إلى الأجساد ، فقيل : على هذا أصحابُ الجنَّة يَومئذٍ خَيرٌ مُستقرّاً . ومنه قوله : « وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ » « 2 » على التسليم أنّ أحدهما أهون من الآخر فيما يسبق إلى نفوس العقلاء « 3 » . سُطوع براهينه قلت : دلائل القرآن لامعة ، وبراهينه ساطعة ، لكن لا على الأساليب المعقّدة التي ينتهجها أرباب الكلام ، بل على طريقة العقلاء في متعارفهم ، في قوّة منطق وإناقة بيان . فقد أخذ من المسلّمات ( القضايا البديهية والمعترف بها ) برهاناً على النظريّات ، ومن المشاهدات المحسوسة دليلًا على حقائق راهنة لا محيص عنها . كلّ ذلك على طريقة واضحة ومحجّة لائحة . يستذيقها الطبع ، ويستلذّها الذوق ، وتستسلم لها العقول . « إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ » « 4 » . منها قوله تعالى : « قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ » « 5 » . هذا استدلال على الطريقة العقلانية ، إذ لو كان للَّهولد - كما يقوله هؤلاء البعداء عن ساحة قدسه تعالى - لكان أول معترف به هم الرسل الذين جاؤوا من عنده ، وهم أقرب إليه ممّن سواهم . وقوله : « وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ » « 6 » إذ كان الخصم معترفاً بأنّ اللَّه هو الذي بدأ الخلق . إذاً فالإعادة أهون من البداءة ، لأنّها من شيء ، وتلك لا من شيء . وقوله تعالى : « إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ . لَوْ كانَ
--> ( 1 ) . الفرقان : 25 . ( 2 ) . الروم : 27 . ( 3 ) . النكت في إعجاز القرآن : ص 105 . ( 4 ) . ق : 37 . ( 5 ) . الزخرف : 81 . ( 6 ) . الروم : 27 .