الشيخ محمد هادي معرفة

350

تلخيص التمهيد

أتمّ ذكر أهل الجنّة وأراد أن يعقّبه بذكر أهل النار قال : « هذا وإنّ للطاغينَ لَشرَّ مآب » . وذلك من « فصل الخطاب » الذي هو ألطف موقعاً من التخلّص « 1 » . التتميم وهو من ظرف البديع وكماله وبلاغه . قال ابن رشيق : هو أن يحاول الشاعر أو المتكلّم معنىً ، فلا يدع شيئاً يتمّ به حسنه إلّاأورده وأتى به ، إمّا مبالغةً وإمّا احتياطاً واحتراساً من التقصير « 2 » . وفسّره بعضهم بأن يكون المتكلّم آخذاً في معنى ، فيعترضه شكّ في إيفاء كلامه ، أو احتمال رادّ سوف يردّ عليه ، أو إثارة سؤال يحاول الإجابة عليه فرضاً وتقديراً في الكلام . فيلتفت قبل فراغه من التعبير عن ذلك المعنى ، فيبادر إلى إزالة كلّ شبهة محتملة ، وحلّ كلّ مشكلة معترضة ، والإجابة على أيّ سؤال سوف يثيره الكلام « 3 » ليكون كلامه وافياً شافياً ومؤدّياً تمام الغرض وكمال المراد . وهذا من ظرف البديع وكمال البلاغة في الكلام . وقد جاء في القرآن على أحسنه وأفضله ، منها قوله تعالى : « سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا » « 4 » . فإنّ السري لا يكون إلّابالليل ، فذكره يغني عن قوله : « ليلًا » لولا إرادة تتميم الفائدة للدلالة على تقليل المدّة ، بمعنى أنّ السري وقع في بعض الليل ، يدلّ عليه التنكير . قال الزمخشري : فإن قلت : الإسراء لا يكون إلّابالليل فما معنى ذكر الليل ؟ قلت : أراد بقوله : « ليلًا » بلفظ التنكير ، تقليل مدّة الإسراء ، وإنّه أسرى به في بعض الليل من مكّة إلى الشام - مسيرة أربعين ليلة - وذلك أن التنكير فيه قد دلّ على معنى البعضية « 5 » ! . وقوله تعالى : « وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً » « 6 » .

--> ( 1 ) . المثل السائر : ج 3 ص 139 - 140 . ( 2 ) . العمدة : ج 2 ص 50 . ( 3 ) . وهذا بمعنى الاستدراك أشبه . ( 4 ) . الإسراء : 1 . ( 5 ) . الكشاف : ج 2 ص 246 . ( 6 ) . طه : 112 .