الشيخ محمد هادي معرفة
332
تلخيص التمهيد
وبجري هذا المجرى الإخبار عن المستقبل باسم المفعول ، كما في قوله تعالى : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ » « 1 » . لأنّ اسم المفعول يتضمّن معنى الفعل الماضي الدالّ على التحقّق والوقوع لا محالة ، فإنّه إنّما آثر اسم المفعول الذي هو « مَجمُوعٌ » على الفعل المستقبل الذي هو « يُجمع » لما فيه من الدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم ، وأنّه الموصوف بهذه الصفة . قال ابن الأثير : وان شئت فوازن بينه وبين قوله تعالى : « يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ » « 2 » فإنّك تعثر على صحّة ما قلت « 3 » . * * * ونوع آخر من الالتفات ، هو أشبه بباب « الاستطراد » بأن يشرع المتكلّم في نوع من الكلام ويستمرّ عليه ، ثم يخرج إلى غيره ، وأخيراً يعود إلى ما كان عليه . فلنسمّيه « مداورة الكلام » ، وهو من لطيف التفنّن في التعبير ، كمن يطارد صيداً فيعنّ له آخر فيطرده ، ثم يرجع إلى الأسبق وهكذا . وقد ذكره بعضهم باسم « الاعتراض » و « الاستدراك » . وعلى أيّة حال فإنه من تداخل الفنون الجميلة ومجمع أنحاء الجمال . ومثّلوا له بقوله تعالى : « فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ » « 4 » . فقوله : « وَلَن تَفعَلُوا » استدراكٌ جميل ، وتيئيسٌ لطيف ، وتبكيتٌ قاطع ، فللَّه درّه من التفات بديع . قال قدامة بن جعفر الكاتب « 5 » : أراد تعالى أن يضمّن آية التحدّي ضرباً آخر من الإعجاز بإخباره عن عجز مطبق عن إمكان معارضته مع الأبد ، ليكون جريان هذا الخبر الصادق على لسان نبيّه ، حتّى إذا وقع كان عَلَماً على صدقه ، فردّ المكذّبين ، وثبّت
--> ( 1 ) . هود : 103 . ( 2 ) . التغابن : 9 . ( 3 ) . المثل السائر : ج 2 ص 191 . ( 4 ) . البقرة : 24 . ( 5 ) . توفي سنة 337 كان يضرب به المثل في البلاغة .