الشيخ محمد هادي معرفة

331

تلخيص التمهيد

ونوع آخر من الالتفات ، ما يكون الانتقال فيه من الفعل المستقبل أو الماضي إلى فعل الأمر ، وهذا يدخل في الحدّ الذي ذكره السكاكي : كلّ تعبير وقع على خلاف مقتضى السياق إذا كان لنكتة بيانية . قال ابن الأثير : وهذا القسم كالذي قبله في أنّه ليس العدول فيه من صيغة إلى أخرى طلباً للتوسّع ولمجرّد التفنّن في أساليب الكلام فقط ، بل لأمرٍ وراء ذلك ، وسرٍّ كامنٍ خلفه . فقد يقصد ذلك تعظيماً لشأن من أجرى عليه الفعل المستقبل وتفخيماً لأمره ، وبالضدّ من ذلك في من أجرى عليه فعل الأمر . فممّا جاء منه قوله تعالى : « قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ . إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ » « 1 » . لم يقل : اشهدُ اللَّه وأشهدكم ، وإنّما عدل إلى صيغة الأمر ، تهاوناً بهم ، فلا يتوازنوا مع اللَّه في شهادة صدق على البراءة . ومنه العدول عن الماضي إلى الاستقبال أو العكس ، كقوله تعالى : « وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ » « 2 » . فقوله : « تثير » مسبوق وملحوق بالفعل الماضي ، اهتماماً بشأنه ، إرادة لاستحضار تلك الصورة البديعة الدالّة على القدرة الباهرة ، وهي حكاية الحال التي يقع فيها إثارة الرياح للسحب . وهكذا يفعل بكلّ أمر فيه ميزة واختصاص ، كحال تُستَغرَب أو تُهِمُّ المخاطب أو غير ذلك . قال ابن الأثير : العدول عن صيغة إلى أخرى لا يكون إلّالنوع خصوصية اقتضت ذلك ، ولا يتوخّاه إلّاالعارف برموز الفصاحة وأسرار البلاغة . وليس يوجد ذلك في كلّ كلام ، فإنّه من أشكل ضروب علم البيان وأدقّها فهماً وأغمضها طريقاً « 3 » .

--> ( 1 ) . الأعراف : 158 . ( 2 ) . فاطر : 9 . ( 3 ) . المثل السائر : ج 2 ص 184 .