الشيخ محمد هادي معرفة

330

تلخيص التمهيد

خطاب النفس لأنّه مهمّ من المهمّات ، فناسبه التعزيز بالاستناد إلى النفس - وهو القادر الحكيم - ومن ثمّ عاد إلى الوصف بالعزّة والعلم توكيداً . قال « 1 » : وإذا تأمّلت مطاوي القرآن الكريم وجدت فيه من هذا وأمثاله الشيء الكثير . وإنّما اقتصرنا على هذه الأمثلة المختصرة ليقاس عليها ما يجري على أسلوبها ، فيتدبّر المتدبّرون . وأمّا الرجوع من الخطاب إلى الغيبة ، فكقوله تعالى : « هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » . « 2 » انظر إلى هذا الكرّ والفرّ ، والاستطراد والرجوع ، والمداورة العجيبة في الكلام . فقد بدأ الحديث بخطاب الجمع ، وعاد إلى الغيبة في فصل طويل ، ورجع أخيراً إلى ما بدأ به أولًا ، ولكن في صورة أعمّ وأشمل ، فكأنّما الناس جميعاً هم الحضور المخاطبون بهذا الكلام العام . قال ابن الأثير : إنّما صرف الكلام هاهنا من الخطاب إلى الغيبة بهذا الشكل البديع لفائدة كبرى ، هي : أنّه ذكر لغيرهم حالهم ، ليعجّبهم منها كالمخبر لهم ، ويستدعي منهم الإنكار عليهم . ولو قال : حتّى إذا كنتم في الفلك وجَرين بكم . . . الخ ، وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة . وليس ذلك بخافٍ على نقدة الكلام « 3 » . * * *

--> ( 1 ) . ابن الأثير في المثل السائر : ج 2 ص 178 . ( 2 ) . يونس : 22 و 23 . ( 3 ) . المثل السائر : ج 2 ص 1810 .