الشيخ محمد هادي معرفة
318
تلخيص التمهيد
أحدها : التنبيه على عظم القدرة ، نحو : « هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ » « 1 » كناية عن آدم عليه السلام فإنّ إخراج الذرّ الكثير من أصل واحد دليل على عظمة الصانع تعالى وقدرته الخارقة . فلو كان صرّح باسمه عليه السلام لكانت إشادة بشأنه بالذات . ثانيها : ترك اللفظ إلى ما هو أجمل ، نحو : « إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ » « 2 » . فكنّى بالنعجة عن المرأة كعادة العرب في ذلك ، لأنّ ترك التصريح بذكر المرأة أجمل منه ، ولهذا لم تذكر في القرآن امرأة باسمها إلّامريم . قال السهيلي : وإنّما ذكرت « مريم » باسمها على خلاف عادة الفصحاء لنكتة ، وهي أنّ الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في ملأ ، ولا يبتذلون أسماءهنّ ، بل يكنّون عن الزوجة بالفرس والعيال ونحو ذلك ، فإذا ذكروا الإماء لم يكنّوا عنهنّ ولم يصونوا أسماءهنّ عن الذكر ، فلمّا قالت النصارى في مريم ما قالوا صرّح اللَّه باسمها ، ولو لم يكن تأكيداً للعبودية التي هي صفة لها وتأكيداً لأنّ عيسى لا أب له وإلّا لنسب إليه . ثالثها : أن يكون في التصريح ممّا يستقبح ذكره ، ككناية اللَّه عن الجماع بالملامسة والمباشرة والإفضاء والرفث والدخول والسرّ في قوله : « وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا » « 3 » والغشيان في قوله : « فَلَمَّا تَغَشَّاها » « 4 » . أخرج بن أبي حاتم عن ابن عباس ، قال : المباشرة الجماع ، ولكنّ اللَّه يكنّي . وأخرج عنه ، قال : إنّ اللَّه كريم يكنّي ما شاء ، وإنّ الرفث هو الجماع . وكنّى عن طلبه بالمراودة في قوله : « وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ » « 5 » . وعنه أو عن المعانقة باللباس في قوله : « هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ » « 6 » . وبالحرث في قوله : « نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ » « 7 » .
--> ( 1 ) . الأعراف : 189 . ( 2 ) . ص : 23 . ( 3 ) . البقرة : 235 . ( 4 ) . الأعراف : 189 . ( 5 ) . يوسف : 23 . ( 6 ) . البقرة : 187 . ( 7 ) . البقرة : 223 .