الشيخ محمد هادي معرفة

303

تلخيص التمهيد

الحركة بطيران الطير ، واستعير لها لفظه . ومن هذا الضرب قوله تعالى : « وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ » « 1 » ، أي وفرّقناهم . والتمزين تفريق بين قطع الثوب ، فاستعير لمطلق التفريق . ومثله أيضاً قوله تعالى : « وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً » « 2 » ، أي فرّقناهم فيها ، تشبيهاً بتقطيع الثوب وتفريق أجزائه « 3 » . وضربٌ ثانٍ يشبه هذا الضرب ، غير أنّ الشبه في صفة هي موجودة في كلّ من المستعار منه والمستعار له على حقيقتها ، سوى أنها في المستعار منه أكمل وأجلى ، كما في قولك : رأيت شمساً تريد إنساناً يتهلّل وجهه كرائعة الشمس . وهكذا قولك : رأيت أسداً ، تريد رجلًا متّصفاً بالشجاعة كالأسد المعروف بها . فرونق الوجه الحسن في حسّ البصر مجانس لتلألؤ ضوء الأجسام النيّرة . وكذا حقيقة الشجاعة التي عمودها انتفاء المخافة عن القلب ، فلا يخامره وهنٌ على الإقدام ولا خوف من العدوّ . الأمر الذي يشترك فيه الإنسان الشجاع والأسد اشتراكاً في الحقيقة . وضربٌ ثالث ، وهو الصميم الخالص من الاستعارة ، وحدّه أن يكون الشبه مأخوذاً من الصور العقلية ، كاستعارة النور للبيان والحجّة الكاشفة عن الحق ، المزيلة للشكّ ، النافية للريب ، كما في قوله تعالى : « وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ » « 4 » وكاستعارة الصراط المستقيم للدين ، إذ ليس بين النور - وهو من صفة الجسم وهو محسوس - / وبين الحجّة - وهو كلام - تناسب في حقيقتيهما ، إلّاأنّ القلب إذا وردت عليه الحجّة صار في حالة شبيهة بحال البصر إذا صادف النور . وهو شبه ليس على جنس ، ولا على طبيعة وغريزة ، ولا هيئة وصورة تدخل في الخلقة ، وإنّما هو صورة عقلية . قال : وهذا الضرب هو المنزلة التي تبلغ الاستعارة عندها غاية شرفها ، ويتسع لها المجال كيف شاءت في تفّننها وتصرّفها . وهاهنا تخلص لطيفة روحانية ، فلا يبصرها إلّا

--> ( 1 ) . سبأ : 19 . ( 2 ) . الأعراف : 168 . ( 3 ) . أسرار البلاغة : ص 41 - 44 . ( 4 ) . الأعراف : 157 .