الشيخ محمد هادي معرفة
298
تلخيص التمهيد
وأنّ للاستعارة مزيّةً وفضلًا ، وأنّ المجاز أبداً أبلغ من الحقيقة . قال : وأمّا الاستعارة فسبب ما ترى لها من المزيّة والفخامة أنك إذا قلت : رأيت أسداً ، كنت قد تلطّفت لما أردت إثباته له من فرط الشجاعة ، حتّى جعلتها كالشئ الذي يجب له الثبوت والحصول ، وكالأمر الذي نصب له دليل يقطع بوجوده . وذلك أنّه إذا كان أسداً فواجب أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة ، وكالمستحيل أو الممتنع أن يعرّى عنها . وإذا صرّحت بالتشبيه فقلت : رأيت رجلًا كالأسد كنت قد أثبتّها إثبات الشيء يترجّح بين أن يكون وبين أن لا يكون ، ولم يكن من حديث الوجوب في شيء . قال : وحكم التمثيل والاستعارة سواء ، فإنك إذا قلت : أراك تقدّم رجلًا وتؤخّر أخرى ، فأوجبت له الصورة التي يقطع معها بالتحيّر والتردّد ، كان أبلغ لا محالة من أن تجري على الظاهر ، فتقول : قد جعلت تتردّد في أمرك . فأنت كمن يقول : أخرج ولا أخرج ، فيقدّم رجلًا ويؤخّر أخرى « 1 » . قلت : وجماع السرّ في فخامة الاستعارة ابتناؤها على التشبيه المطوي ، ففيها من كمال التشبيه أوفاها ، مع زيادة : تناسي التشبيه ، فكأنه الحقيقة بعينها ، ولا سيّما المرشّحة ، على ما يأتي . وهذا من المبالغة في التشبيه ما لا يكاد يخفى لطفها ودقّتها وظرافة حسنها وجمالها البديع ، إن وقعت موقعها ، كما شرطه ابن رشيق « 2 » . وسنزيدك بياناً عند ذكر أنواعها ، وما لكلّ من فضيلة وشرف . الاستعارة المفيدة نوّع عبد القاهر الاستعارة إلى ما فيه فائدة وما لا فائدة فيه . وعنى بغير المفيدة : ما لا يكون الغرض منه سوى التنوّق في التعبير والتوسّع في الأداء . وهذا بأن ينقص من قدر الكلام أشبه من أن يزيده حسناً ، ومن ثمّ يقبح استعماله على الأديب الأريب .
--> ( 1 ) . دلائل الإعجاز : ص 48 و 50 . ( 2 ) . العمدة : ج 1 ص 268 .