الشيخ محمد هادي معرفة
299
تلخيص التمهيد
قال : وموضع هذا الذي لا يفيد نقله ، حيث يكون اختصاص بما وضع له من طريق أريد به التوسّع في أوضاع اللغة والتنوّق في مراعاة دقائق من الفروق في المعاني المدلول عليها ، كوضعهم للعضو الواحد أسامي كثيرة بحسب اختلاف أجناس الحيوان ، نحو : وضع الشفة للإنسان ، والمشفر للبعير ، والجحفلة للفرس ، وما شاكل ذلك من فروق ربما وجدت في غير لغة العرب أيضاً . فإذا استعمل الشاعر شيئاً منها في غير الجنس الذي وضع له فقد استعاره منه ونقله عن أصله وجاز به موضعه . وبذلك قد فاته لطف الخصوصية الملحوضة عند الوضع . كقول العجاج : « وفاحماً ومرسناً مسرّجا » « 1 » نراد بالمرسن أنف الممدوح ، وهو في الأصل اسم لأنف الحيوان ، لأنّه موضع الرسن . لكنّه تغافل عن هذه الخصوصية المناسبة لأصل الوضع ، وتوهّمه اسماً لمطلق الأنف المشترك ، واستعاره لأنف الممدوح ، تنوّقاً وتوسّعاً في الكلام . ولا يخفى مدى ابتعاد هذه الاستعارة عن الظرافة واللطف ، إن لم تكن قريبة من الوهن والقباحة . وقال آخر ، يصف إبلًا : تسمع للماء كصوت المسحل * بين وريدها وبين الجحفل « 2 » فاستعار الجحفل لشفة البعير ، وهو موضع لشفة الفرس من غير فائدة لذلك . فهذا النوع من الاستعارة لا يفيد شيئاً سوى استعمال لفظة مكان أخرى تفنّناً في العبارة ، من قبيل الألفاظ المترادفة ، في حين عدم الترادف . بل الاستعارة هاهنا بأن تنقص الكلام جزء من الفائدة أشبه ، لأنّ معنى الاستعارة نفي الاشتراك ، وهو يناقض نفي الخصوصية عند النقل ، إذ مع ملاحظة الخصوصية في المستعار منه لا يصحّ نقله إلى المستعار له ، فلو لم تَلحَظ الخصوصية ونَفيتَها تصحيحاً للنقل أصبح اللفظ مشتركاً بين الموضعين ، ولا استعارة
--> ( 1 ) . صدره : « ومقلةً وحاجباً مزجّجا » . المقلة : العين . والمزجّج : المدقّق المطوّل . ( 2 ) . المسحل : آلة السحل أي النحت كالمِبرد .