الشيخ محمد هادي معرفة
289
تلخيص التمهيد
المستمعين نُظارة ، وحتّى ينقلهم نقلًا إلى مسرح الحوادث فيشرفهم عليها ، حيث تتوالى المناظر وتتجدّد الحركات . . . وحتّى ينسى المستمع أنّ هذا كلامٌ يُتلى أو مثلٌ يُضرب ، وإنّما يتخيّل أنّه حاضر المشهد بمرأى منه ومسمع ، ومن ثمّ ترتسم في نفسه سمات الانفعال بشتّى الوجدانات المنبعثة من مشاهدة المنظر ، المتساوقة مع الحوادث . نعم إنها الحياة هنا ، وليست حكاية حياة . فإذا كانت الألفاظ - وهي كلمات جامدة وتعابير هامدة ، وليست بألوان تصوير وأرياش تحبير - هي التي تصوّر من المعنى الذهني نموذجاً إنسانيّاً ، ومن الحادث المرويّ أو الحالة النفسية لوحة مشهودة أو منظراً مشهوداً ، أدركنا بعض أسرار الإعجاز في تعبير القرآن « 1 » . قال السيد رشيد رضا : وهذا النوع من التشبيه - وهو إبراز المعاني في صورة التمثيل - نادر فذّ بديع ، ويقلّ في كلام البلغاء ، لكنّه كثير وافر في القرآن العزيز « 2 » . وقلّما يوجد في سائر الكلام تشبيه غير معيب . وقد عقد ابن الأثير باباً ذكر فيه معايب التشبيه الواقع في كلام البلغاء ، لقصورهم عن الإحاطة بجوانب فنّ التصوير . هذا أبو تمام - الشاعر المفلّق - يريد أن يصف السخاء فيجسّده في صورة ذي حياة ، فيجعل له روثاً وفرثاً ممّا تأباه طبيعة السخاء المترفّع عن الأدناس . قال في قصيدة يمدح بها أبا سعيد كرمه وجوده : وتقاسم الناس السخاء مجزّءاً * وذهبت أنت برأسه وسنامه وتركت للناس الإهاب وما بقي * من فرثه وعروقه وعظامه قال ابن الأثير : والقبح الفاحش في البيت الثاني ، وكلّ هذا التعسّف في التشبيه البعيد دندندة « 3 » حول معنى ليس بطائل ، فإنّ غرضه أن يقول : ذهب بالأعلى وترك للناس الأدنى . أو أذهبت بالجيّد وتركت للناس الرديء « 4 » .
--> ( 1 ) . سيد قطب في تصويره الفني : ص 29 . ( 2 ) . هامش أسرار البلاغة : ص 92 . ( 3 ) . الدندنة : طنين الذباب . ( 4 ) . المثل السائر : ج 2 ص 154 .