الشيخ محمد هادي معرفة
290
تلخيص التمهيد
نعم إنّه صوّر من السخاء حيواناً له رأس وسنام ، وهذا لا عيب فيه ، إنّما العيب في جعل الإهاب والفرث - وهو السرجين داخل الكرش - له ، الأمر الذي تتجافاه سجية السخاء التي هي مكرمة خالصة . فوائد التمثيل والتجسيد الفنّي يسمّى عندهم بالتمثيل ، وكان من أروع أنواع التشبيه ، ذو فوائد وحكَم شتّى ذكرها أرباب البيان : قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني : اتّفق العقلاء على أنّ التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه ، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورة التمثيل ، كساها ابّهة ، وكسبها منقبة ، ورفع من أقدارها ، وشبّ من نارها ، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها ، ودعا القلوب إليها ، واستنار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفاً ، وقسر الطباع على أن تعطيها محبةً وشغفاً . ثمّ جعل يُعدّد فوائده في أنواع الكلام ، مدحاً أو ذمّاً ، حجاجاً أو فخاراً أو اعتذاراً ، أو وعظاً وإرشاداً ، ونحو ذلك . قال : فإن كان مدحاً كان أبهى وأفخم ، وأنبل في النفوس وأعظم ، وأهزّ للعطف ، وأسرع للُالف ، وأجلب للفرح ، وأغلب على الممتدح ، وأوجب شفاعة للمادح ، وأقضى له بغرّ المواهب والمنائح ، وأسير على الألسن وأذكر ، وأولى بأن تعلّقه القلوب وأجدر . ومثاله في القرآن قوله تعالى - في وصف المؤمنين الذين ثبتوا على الإيمان والجهاد في سبيله صفّاً كأنّهم بنيانٌ مرصوص - : « مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ