الشيخ محمد هادي معرفة
286
تلخيص التمهيد
هامداً إلّاانتفض بالتحرّك والهياج ، كأنّما العالم كله في لوحة تصاويره ، أحياء غير أموات ، والمظاهر كلّها حركات لا هدوء ولا خمول . هكذا يفعل القرآن في منطقه الساحر ، ويصوّر من عالم الوجود في بيانه الباهر . كلّ شيء حي ، وكلّ شيء دائب في الحركة مُستَوٍ في طريقه نحو الكمال . تلك قدرته الفنّية في بيانه وفي إبداعه في فنون التصوير ، يخلع عليها الحركة والحياة . ولم يعهد للعرب نظيره ، وقد حاز قصب السبق في مضماره . هذا هو الفجر ينبثق في مطلعه ، لكنّه في القرآن : « وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ » « 1 » . هذا هو الجديد في تعبير القرآن : الصبح حيّ يتنفّس ، أنفاسه الإشعاع والنور والضياء ، وإفاضته الحركة والحياة ، حركة تدبّ معها كلّ حيّ عند الصباح . قال سيّد قطب : وتكاد اللغة العربية بكل مأثوراتها التعبيرية لا تحتوي نظيراً لهذا التعبير عن الصبح « 2 » وتكاد رؤية الفجر تشعر القلب المتفتّح أنّه بالفعل يتنفّس ، لأنّ الصبح إذا أقبل أقبل بإقباله روح ونسيم ، كالمحتصر إذا زال غمّه يتنفّس الصعداء ، وقد كَلّ اللسان عن النطق بها . نعم يتنفّس الصبح تنفّس الأحياء ويصعد بأنفاسه ، هي أنواره نحو آفاق السماء . وهذا هو الليل له عسعسة أي حركة إلى الوراء لها صوت « وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ » « 3 » أي أدبر وأخذ في التراجع إلى الوراء ، كأنّه يأخذ في الانهزام والتراجع إلى الخلف أمام هجمة أضواء النهار . انظر إلى هذين المقطعين « عس ، عس » من كلمة « عسعس » كيف يوحيان بحركة حثيثة ومنتظمة ، لها حسيس ، وكأنه من أثر اصطكاك أرجلها الثقيلة مع الحسائك المتيبّسة ولا سيّما في مثل ظلام الليل . والجدار بنية جامدة كالجلمود ، لكنّه في تعبير القرآن صاحب حسّ وإرادة وعقل ، لأنّه يريد أن ينقضّ « فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ » « 4 » . والجبال ، وهي على الأَرض يُسار بها مع الأَرض ، لكنّها في تعبير القرآن هي التي
--> ( 1 ) . التكوير : 18 . ( 2 ) . في ظلال القرآن : ج 8 ص 482 . ( 3 ) . التكوير : 17 . ( 4 ) . الكهف : 77 .