الشيخ محمد هادي معرفة
236
تلخيص التمهيد
الجمل ، ومردّه إلى الحسّ الداخلي والأوزان . والإيقاع الموسيقي هنا متوسّط الزمن تبعاً لتوسّط الجملة الموسيقية في الطول ، متّحد تبعاً لتوحّد الأسلوب الموسيقي ، مسترسل الرويّ كجوّ الحديث الذي يشبه التسلسل القصصي . وهذا كلّه ملحوظ ، وفي بعض الفواصل يبدو ذلك جليّاً مثل : « أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى . وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى » . فلو أنك قلت : أفرأيتم اللات والعزّى الثالثة لاختلت القافية ، ولتأَثر الإيقاع . ولو قلت : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الأخرى فالوزن يختل . وكذلك في قوله : « أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى . تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى » فلو قلت : ألكم الذكرُ وله الأنثى تلك قسمةٌ ضيزى . لاختلّ الإيقاع المستقيم بكلمة « إذاً » . ولا يعني هذا أنّ كلمة « الأخرى » أو كلمة « الثالثة » أو كلمة « إذاً » زائدة لمجرّد القافية أو الوزن ، فهي ضرورية في السياق لنكت معنوية خاصّة . وتلك ميزة فنّية أخرى أن تأتي اللفظة لتؤدّي معنى في السياق ، وتؤدّي تناسباً في الإيقاع ، دون أن يطغى هذا على ذلك ، أو يخضع النظم للضرورات . ملاحظة اتّزان الإيقاع في الآيات والفواصل تبدو واضحة في كلّ موضع على نحو ما ذكرنا أو قريباً من هذه الدّقة الكبرى . ودليل ذلك أن يعدّل في التعبير عن الصورة القياسية للكلمة إلى صورة خاصّة ، أو أن يُبنى النسق على نحو يختلّ إذا قدّمت أو اخّرت فيه أو عدلت في النظم أيّ تعديل . مثال الحالة الأُولى حكاية قول إبراهيم : « قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ » « 1 » . فقد خطفت ياء المتكلّم في « يهدين ويسقين ويشفين ويحيين » محافظة على حرف
--> ( 1 ) . الشعراء : 75 - 82 .