الشيخ محمد هادي معرفة
237
تلخيص التمهيد
القافية مع « تعبدون ، والأقدمون ، والدين . . . » . ومثل هذا يقع عند زيادة هاء السكت على ياء الكلمة أو ياء المتكلّم في مثل : « وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ . فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ . وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ . نارٌ حامِيَةٌ » « 1 » . ومثال الحالة الثانية : أن لا يكون هناك عدول عن صيغة قياسية ، ومع ذلك تلحظ الموسيقى الكامنة في التركيب ، والتي تختلّ لو غيّرت نظامه مثل : « ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا . إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا . قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا » « 2 » فلو حاولت مثلًا أن تغيّر فقط وضع كلمة « منّي » فتجعلها سابقة لكلمة « العظم » ؛ قال ربي إني وهن منّي العظم ، لأحسست بما يشبه الكسر في وزن الشعر ؛ ذلك أنها تتوازن مع « إني » في صدر الفقرة هكذا : « قال ربّ إني » « وَهَنَ العظمُ منّي » . على أنّ هناك نوعاً من الموسيقى الداخلية يلحظ ولا يشرح - كما أسلفنا - وهو كامن في نسيج اللفظة المفردة وتركيب الجملة الواحدة ، وهو يدرك بحاسّة خفية وهبة لدنّية . وهكذا تتبدّى تلك الموسيقى الداخلية في بناء التعبير القرآني ، موزونة بميزان شديد الحسّاسية ، تميله أخفّ الحركات والاهتزازات ، ولو لم يكن شعراً ، ولو لم يتقيد بقيود الشعر الكثيرة ، التي تحدّ من الحرّية الكاملة في التعبير الدقيق عن القصد المطلوب « 3 » . وقال بعض أهل الفنّ : كثر في القرآن ختم الفواصل بحروف المدّ واللين وإلحاق النون ، وحكمة وجودها التمكّن من التطريب بذلك ، كما قال سيبويه : إنّهم - أي العرب - إذا ترنّموا يلحقون الألف والياء والنون ، لأنّهم أرادوا مدّ الصوت ، ويتركون ذلك إذا لم يترنّموا . وجاء في القرآن على أسهل موقف وأعذب مقطع . فإن لم تنته بواحدة من هذه - كأن انتهت بسكون حرف - كان ذلك متابعة لصوت الجملة وتقطيع كلماتها ، ومناسبة للون المنطق بما هو أشبه وأليق بموضعه . وأكثر ما يكون في
--> ( 1 ) . القارعة : 8 - 11 . ( 2 ) . مريم : 2 - 4 . ( 3 ) . التصوير الفنّي : ص 80 - 83 .