الشيخ محمد هادي معرفة

234

تلخيص التمهيد

منها كلّ وتر من أوتار القلب نصيبه بسواء ، فلا يعرو الإنسان على كثرة ترداده ملال أو سأم ، بل لا يفتأ يطلب منه المزيد . وأحياناً كانت العرب تعمد إلى ما يقرب من هذا النحو من التنظيم الصوتي في أشعارها لكنها كانت تذهب مذهب الإسراف والاستهواء المملّ في الأغلب ، ولا سيّما عند التكرير . أما في منثور كلامها ، سواء المرسل منه أو المسجوع ، فلم تكن عَهِدته قطّ ولا كان يتهيّأ لها بتلك السهولة والمرونة والعذوبة التي في القرآن الكريم . بل ربما كان يقع لها في أجود منثورها عيوب تغضّ من سلاسة تركيبه ، بما لا يمكن معها من إجادة ترتيله ، إلّابتعمل يبدو عليه أثرالتكلّف والتعسّف ، الأمر الذي كان يحطّ من شأن الكلام . فلا عجب اذاً أن يكون أدنى الألقاب إلى القرآن - في خيال العرب - أنّه شعر ، وإذا لم يكن بشعر فهو سحر . وهذا يكشف عن مدى بهر العرب وحيرتهم تجاه هذا النوع من الكلام المنضّد البديع ، كان له من النثر جلاله وروعته ، ومن الشعر جماله ومتعته ! ! قال الأستاذ درّاز : ويجد الإنسان لذّة بل وتعتريه نشوة إذا ما طرق سمعه جواهر حروف القرآن ، خارجة من مخارجها الشحيحة ، من نظم تلك الحروف ورصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها : هذا ينقر ، وذاك يصفر ، وثالث يهمس ، ورابع يجهر ، وآخر ينزلق عليه النَفَس ، وآخر يحتبس عنده النَفَس . فترى الجمال النغمي ماثلًا بين يديك في مجموعة مختلفة ولكنها مؤتلفة لا كركرة ولا ثرثرة ، ولا رخاوة ولا معاظلة ، ولا تناكر ولا تنافر ، وهكذا ترى كلاماً ليس بالبدويّ الجافي ولا بالحضريّ الفاتر . بل هو ممزوج مؤلّف من جزالة ذاك ورقّة هذا ، مزيجاً كأنّه عصارة اللغتين وسلالة اللهجتين . نعم من هذا الثوب القشيب يتألّف جمال القرآن اللفظي ، وليس الشأن في هذا الغلاف إلّا كشأن الأصداف ، تتضمّن لآلي نفيسة ، وتحتضن جواهر ثمينة ، فإن لم يُلهك جمال الغطاء عمّا تحته من الكنز الدفين ، ولم تحجبك بهجة الستار عمّا وراءه من السرّ المصون ، فَفَليْتَ القشرة عن لبّها ، وكشفت الصدفة عن درّها ، فنفذت من هذا النظام اللفظي إلى تلك الفخامة المعنوية ، تجلّى لك ما هو أبهى وأبهر ، ولقيت منه ما هو أبدع وأروع . تلك روح القرآن