الشيخ محمد هادي معرفة
233
تلخيص التمهيد
4 . تناسق نظمه وتناسب نغمه وهو جانب خطير من إعجاز القرآن البياني ، لَمَسته العرب منذ أوّل يومها فبَهَرتهم روعته ودَهَشَتهم رنّته ، فأخضعهم للاعتراف في النهاية بأنّه كلام يفوق طوع البشر وأنّه كلام اللَّه . إنّه جانب « اتّساق نظمه وتناسب نغمه » وإيقاعاته الموسيقية الساطية على الأحاسيس ، والآخذة بمجامع القلوب . وهذا الجمال التوقيعي للقرآن يبدو جلياً لكلّ من يستمع إلى آياته تُتلى عليه ، حتّى ولو كان من غير العرب ، فكيف بالعرب أنفسهم . وأوّل شيء تحسّه الآذان عند سماع القرآن هو ذا نظامُه الصوتيّ البديع ، الذي قُسِّمت فيه الحركاتُ والسكونات تقسيماً متنوّعاً متوزّعاً على الألحان الموسيقية الرقيقة ، فينوّع ويجدّد نشاطَ السامع عند سماعه ، ووزّعت في تضاعيفه حروف المدّ والغنّة توزيعاً بالقسط ، يساعد على ترجيح الصوت به ، وتهاوى النَفَس فيه آناً بعد آن ، إلى أن يصل قمّتها في الفاصلة ، فيجد عندها راحته الكبرى ، على ما فصّله أساتذة الترتيل . وربّما استمع الإنسان إلى قصيدة ، وهي تتشابه أهواؤها وتتساوق أنغامها ، ولكنّه لا يلبث أن يملّها ، ولا سيما إذا أعيدت وكرّرت بتوقيع واحد . بينما الإنسان من القرآن في لحن متنوّع ونغم متجدّد ، ينتقل فيه بين أسباب وأوتاد وفواصل « 1 » ، على أوضاع مختلفة ، يأخذ
--> ( 1 ) . من مصطلحات الأفنان الموسيقية : « الحرف المتحرّك إذا تلاه حرف ساكن ، يقال له : سببٌ خفيف . والحرفان المتحرّكان لايتلوهما ساكن : سببٌ ثقيل . والمتحرّكان يتلوهما ساكن : وتدٌ مجموع . وإذا توسّطهما ساكن : وتدٌ مفروق . وثلاثة أحرف متحرّكة : فاصلة صغيرة . وأربعة أحرف متحرّكة يعقبها ساكن : فاصلة كبيرة » وهكذا . . . ( النبأ العظيم : ص 95 ) . ولعلّ القارئ النبيه يعذرنا في الاقتصار على النقل هنا ، بعد أن كان موضوع البحث من الفنون الخارجة عن اختصاصنا !