الشيخ محمد هادي معرفة
230
تلخيص التمهيد
واللفظة إذا كانت خماسية الأصول فهذا لم يرد منه في القرآن شيء ، لأنّه ممّا لا وجه للعذوبة فيه ، إلّاما كان من اسم عُرّب ولم يكن عربيّاً : كإبراهيم ، وإسماعيل . وطالوت ، وجالوت ، ونحوها . ولا يجيء به مع ذلك إلّاأن يتخلّله المدّ كما ترى ، فتخرج الكلمة وكأنها كلمتان . وفي القرآن لفظة غريبة هي من أغرب ما فيه ، وما حسنت في كلام قطّ إلّافي موقعها من القرآن بالذات ، وهي كلمة « ضيزى » من قوله تعالى : « تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى » « 1 » . ومع ذلك فإنّ حسنها في نظم الكلام هنا من أغرب الحسن وأعجبه ، وإذا أردت اللغة عليها ، ما صلح لهذا الموضع غيرها . فإنّ السورة التي هي منها - وهي سورة النجم - مفصّلة كلّها على الياء ، فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل . ثم هي في معرض الإنكار على العرب ، إذ وردت في ذكر الأصنام وزعمهم في قسمة الأولاد ، فإنّهم جعلوا الملائكة والأصنام بنات للَّهمع وأدهم البنات « 2 » فقال تعالى : « أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى . تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى » . فكانت غرابة اللفظ أشدّ الأشياء ملائمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرها عليهم ، وكانت الجملة كلّها كأنّها تصوّر في هيئة النطق بها ، الإنكار في الأولى والتهكّم في الأخرى . وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة ، وخاصّة في اللفظة الغريبة التي تمكّنت في موضعها من الفصل ، ووصفت حالة المتهكّم في إنكاره من إمالة اليد والرأس بهذين المدّين فيها إلى الأسفل والأعلى ، وجمعت إلى كلّ ذلك غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية . وإن تعجب فعاجِب لنظم هذه الكلمة الغريبة وائتلافه على ما قبلها ، إذ هي مقطعان : أحدهما مدّ ثقيل ، والآخر مدّ خفيف ، وقد جاءت عقب غنّتين في « إذاً » و « قسمة » إحداهما خفيفة حادّة ، والأخرى ثقيلة متفشّية ، فكأنّها بذلك ليست إلّامجاورة صوتية لتقطيع موسيقي .
--> ( 1 ) . النجم : 22 . والضيز : الجور ، أي فهي قسمة جائرة . ( 2 ) . أي دفنهنّ على الحياة كما كان من عادتهم .