الشيخ محمد هادي معرفة
206
تلخيص التمهيد
نكت وظرف فيما تكرّر من آيات الذكر الحكيم غير خفيّ أن ما يذكره تعالى حكاية عن أمم سالفين إنّما هو نقل بالمعنى ، ولا سيّما فيما يحكيه من أقوالهم ومحاججاتهم ، حيث كانت بلغة غير عربية ، وناقل المعنى في سعة من اللفظ حيث يشاء وحيث يتناسب مع مقصوده من الكلام ، ينقله تارةً طوراً وأخرى طوراً آخر ، وقد ينقل بعضه ويترك البعض ، حسب ما يراه من مناسبة المقام . ومن ثم فهو في فسحة من النقل والحكاية . قال الإسكافي : إنّ ما أخبر اللَّه به من قصّة موسى وبني إسرائيل وسائر الأنبياء لم يقصد به حكاية الألفاظ بأعيانها ، وإنّما قصد اقتصاص معانيها . وكيف لا يكون كذلك واللغة التي خوطبوا بها غير العربية ، فحكاية اللفظ اذاً زائلة ، وتبقى حكاية المعنى . ومن قصد حكاية المعنى كان مخيّراً بأيّ لفظ أراد ، وكيف شاء من تقديم وتأخير بحرف لا يدلّ على الترتيب كالواو . وعلى هذا يقاس نظائره في القرآن « 1 » . وللكرماني « 2 » تصنيف لطيف في بيان ما لكل موضع من الآيات المكرّرة نكتة ظريفة ، استقصى فيها جميع ما في القرآن من التكرار . قال - في مقدّمته - : هذا كتاب أذكر فيه الآيات المتشابهات ( المتماثلات ) التي تكرّرت في القرآن وألفاظها متّفقة ، ولكن وقع في بعضها زيادة أو نقصان أو تقديم أو تأخير أو إبدال حرف مكان حرف أو غير ذلك ممّا يوجب اختلافاً بينها . . . وابيّن السبب في تكرارها والفائدة في إعادتها ؛ والحكمة في تخصيص آية بشيء دون أخرى . . . .
--> ( 1 ) . درّة التنزيل : ص 17 ، هامش أسرار التكرار : ص 28 . ( 2 ) . هو العلّامة الأديب محمود بن حمزة بن نصر الكرماني . قال ياقوت : كان حدود سنة خمسمائة وتوفي بعدها .