الشيخ محمد هادي معرفة

192

تلخيص التمهيد

إذا بلي وتقطّع من طول البلى . لكن الجوّ في السياق الثاني جوّ عبادة وضراعة وخشوع وابتهال إلى اللَّه تعالى فناسبه تصوير الأرض « خاشعة » خشوع الذلّ والاستكانة . يقال : خشعت الأرض إذا يبست ولم تُمطر . ونكتة أخرى : لم تجئ « اهتزّت وربت » هنا للغرض الذي جاءتا من أجله هناك . إنّهما هنا تُخيّلان حركة حاصلة عن خشوع ، حركة تضاهي حركة العُبّاد في عباداتهم ، ومن ثم لم تكن الأرض لتبقى وحدها خاشعة ساكنة ، فاهتزّت لتشارك العابدين في حركاتهم التعبّدية وفق إرادة اللَّه في الخلق . الحلف بالتاء قوله تعالى : « تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً » « 1 » . جملة ألفاظ غريبة ، بعيدة عن الاستعمال العام ، وقع الاختيار عليها لحكمة هي مقتضى الحال والمقام ، فضلًا عن جرس اللفظة في هذا التناسب والوئام . قال جلال الدين السيوطي : أتى بأغرب ألفاظ القَسَم ، هي التاء ، فإنّها أقلّ استعمالًا وأبعد من أفهام العامّة بالنسبة إلى الباء والواو . وبأغرب صيغ الأفعال الناقصة ، فإنّ « تزال » أقرب إلى الأفهام ، وأكثر استعمالًا من « تفتأ » . وبأغرب الألفاظ الدالّة على الإشراف على الهلاك « حَرَضاً » . فاقتضى حسن الوضع في النظم أنّ تجاور كلّ لفظة بلفظة من جنسها في الغرابة ، توخّياً لحسن الجوار ، ورغبة في ائتلاف المعاني مع الألفاظ ، ولتتعادل الألفاظ في الوضع ، وتتناسب في النظم ، فضلًا عن تناسب الغريب في التعبير مع الغريب من حالة نبيّ اللَّه يعقوب عليه السلام « 2 » .

--> ( 1 ) . يوسف : 85 . ( 2 ) . معترك الأقران : ج 1 ص 389 .