الشيخ محمد هادي معرفة
169
تلخيص التمهيد
فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ » « 1 » . وقال من اعتذر للنابغة : إنّما قدّم الليل في كلامه لأنّه أهول ، ولأنّه أوّل ، ولأنّ أكثر أعمالهم إنّما كانت فيه ، لشدّة حرّ بلدهم ، فصار ذلك عندهم متعارفاً « 2 » . وعقد ابن رشيق باباً في أغاليط الشعراء والرواة ، ذكر فيه مآخذ علماء الأدب على كثير من أشعار القدماء والمحدّثين ، فكان من ذلك ما أخذوه على قول زهير يصف ضفادع « شربات » : يخرجن من شربات ماؤُها طحلٌ * على الجذوع يَخَفْنَ الغمر والغرقا « 3 » إذ لا تخاف الضفدعة من الغرق مهما كان غمر الماء ! فقد غلط في هذا التوصيف . واعتذر عنه بأنّه لم يرد خوف الغرق على الحقيقة ، ولكنّها عادة من هرب من الحيوان من الماء ، فكأنّه مبالغة في التشبيه ، كما قال تعالى : « وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ » « 4 » . وقال : « وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ » « 5 » . والقول فيهما محمول على « كاد » . هكذا ذكر الحُذّاق من المفسّرين . مع أنّا نجد الأماكن البعيدة القعر من البحار لا تقربها دابّة ، خوفاً على نفسها من الهلكة ، فكأنّه أراد المبالغة في كثرة ماء هذه الشربات « 6 » . قلت : فعلى هذا كان كلامه وصفاً للماء لا للضفادع . وعلى أيّ حال ، فإنّ استهداف هكذا أهداف حقيرة وهابطة كانت حصيلة تضايق آفاق الحياة العربية حينذاك . وأين ذلك من سعة آفاق مطالب القرآن ومقاصده العليّة في أوصافه وتشبيهاته وتمثيلاته ؟ ! وهل تناسبٌ
--> ( 1 ) . الرحمان : 33 . ( 2 ) . العمدة : ج 2 ص 251 . ( 3 ) . شربات : موضع قرب مكّة . طحل الماء : فسد . والجذع : ساق النخلة . الغمر : الماء الكثير ، وغمره الماء غمراً : علاه وغطّاه . ( 4 ) . إبراهيم : 46 . ( 5 ) . الأحزاب : 10 . ( 6 ) . العمدة : ج 2 ص 251 .