الشيخ محمد هادي معرفة
168
تلخيص التمهيد
يريد من الصعود والرفعة في القدرة والمنزلة ، لكنّه بنى على تناسي التشبيه ، فزعم أنّه يحاول الصعود إلى السماء على حقيقته ! وهذا التشبيه والتناسي خاليان من أيّ لطف وظرافة . وقايس بينه وبين قوله تعالى : « إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ » « 1 » انظر إلى جرس لفظه ولطف تعبيره . وقوله تعالى : « رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ » « 2 » . كلامٌ خالٍ من التشبيه ، لكن ملؤه الأُبّهة والجلال والكبرياء ، في حسن النظم وجودة التعبير . قال ابن رشيق في باب الاعتذار : وأجلّ ما وقع في الاعتذار من مشهورات العرب قصائد النابغة الثلاث ، يقول في إحداهنّ : نُبّئت أنّ أبا قابوس أوعدني * ولا قرار على زأر من الأسد « 3 » ويقول في الثانية : فلا تتركنّي بالوعيد كأنّني * إلى الناس مطلى به القار أجرب « 4 » ويقول في الثالثة - وهي أجودهنّ وأبرعهنّ - : فإنّك كالليل الذي هو مدركي * وإن خلت أن المُنتأى عنك واسعُ « 5 » « 6 » قال : وأفضل من هذا كلّه قول اللَّه تعالى : « يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
--> ( 1 ) . فاطر : 10 . ( 2 ) . غافر : 15 . ( 3 ) . زأر الأسد : صات من صدره . ( 4 ) . القار : القير . ( 5 ) . المنتأى : المبتعد . ( 6 ) . العمدة : ج 2 ص 176 - 179 .