الشيخ محمد هادي معرفة
161
تلخيص التمهيد
القديم فقال في وصفه : إنّه ثمرة من ثمار البلاغة العربية الطيّبة الناضجة ! وضربه مثلًا لما كان للعرب من خُطَبٍ مفحمة وحِكَمٍ رائعةٍ معجبة ، يترقرق عليها ماء الحُسن والملاحة ، فيها روعة آسرة وجمال أخّاذ . . . إلى آخر ما يقول في تقريض بيان أسلافه أعراب البادية الأقحاح ! « 1 » ولكن يا ترى ، أيّة ميزة لهذا الكلام الذي يشبه كلام الكهنة في أسجاع متكلّف بها ، وأرداف متمحّل فيها ، ليس فيها تلك الروعة والجمال البارع الذي نجده في قوله تعالى من سورة الفجر : « أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ . إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ . وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ . وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ . الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ . فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ . فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ . إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ » « 2 » . إنّه تعالى ذكر الظالمين وأردف ذكرهم بما يهول من عظيم قدرتهم وخطير فسادهم في الأرض ، وأخيراً كان مآلهم إلى سياط الجحيم . « يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ » « 3 » « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ » « 4 » . هذا هو أسلوب القرآن في وعظه الحكيم ، يهدّ الإنسان هدّاً ، ويهزّ من مشاعره هزّاً ، ثمّ يهيمن عليه بسطوة بيانه وقوة كلامه في كلا تبشيره وإنذاره ! وهذا امرؤ القيس - ألمع شعراء الجاهلية - نراه في أجود قصائده قد ضاق به الكلام حتّى لجأ إلى غرائب الألفاظ الوحشية غير المأنوسة ولا مألوفة الاستعمال ، كالعقنقل والسجنجل والكهنبل والمستشزرات وأمثالها ممّا تركها سائر العرب ، حتّى عافتها كتب تراجم اللغة ! الأمر الذي عيب على امرئ القيس . كما عيب استعماله كلمات لا موضع لها ولا مناسبة مع مقصود شعره ، قال - في مطلع قصيدته المعلّقة - :
--> ( 1 ) . الخطيب في الإعجاز : ص 503 . ( 2 ) . الفجر : 6 - 14 . ( 3 ) . الانشقاق : 6 . ( 4 ) . الزلزلة : 7 و 8 .