الشيخ محمد هادي معرفة

160

تلخيص التمهيد

الحشو من أهل الحديث ، وساندهم إخوانهم من الفئات الأخباريّة أصحاب العقول الساذجة ! واللَّه هو العاصم . مقارنةٌ عابرة وأنّ مقارنة عابرة بين كلامه تعالى النازل قرآناً وبين كلام أفصح العرب المعاصر للنزول لتجعل الفرق بيّناً بينهما ، وأن لا مضاهاة هناك ولا تماثل . كما لا تناسب بين الثريّا والثرى ، ذاك نجم لامع وهذه أرض هامدة ، لا يشبه أحدهما الآخر في شيء . ومن ثمّ أذعنت العرب بأنّه ليس من كلام البشر الذي تعارفوه وكان في متناولهم يمارسونه ، نعم ، هو كلام اللَّه الوحي النازل على رسوله ، هذا شيء كانوا قد لَمَسوه . وقد مرّت عليك نماذج من خُطَب العرب وأشعارهم وكانت من النمط الأرقى المعروفة يومذاك ، فإذا ما قارَنْتَها مع آي القرآن الحكيم وأسلوبه البديع تجد هذا الفرق بوضوح . مثلًا ، هذا قسّ بن ساعدة الأيادي « 1 » ما تزال العرب تفتخر بجلائل خُطَبه القديمة حتّى اليوم ، في حين أنّها لا تعدو سرد ألفاظ لا فائدة في ذكرها سوى تلفيق سجع أو رعاية وزن ، لا غير . وإليك من خطبه : أيّها الناس ، اجتمعوا فاسمعوا وعوا . من عاش مات ، ومن مات فات ، وكلّ ما هو آت آت . في هذه آياتٍ محكمات ، مطرٌ ونبات ، وآباءٌ وامّهات ، ذاهبٌ وآت ، نجومٌ تَمُور ، وبحورٌ لا تغور ، وسقفٌ مرفوع ، ومِهادٌ موضوع ، وليلٌ داج ، وسماءٌ ذات أبراج . مالي أرى الناس يموتون ولا يرجعون ؟ ! أَرَضُوا فأقاموا ؟ أمْ حُبِسوا هناك فناموا ؟ يا معشر أياد ، أين ثمود وعاد ، وأين الآباء والأجداد ، أين المعروف الذي لم يُشكر ، والظلم الذي لم يُنكر ، أقْسَمَ قُسٌّ قَسَماً باللَّه ، إنّ للَّه‌دِيناً هو أرضى من دينكم هذا . هذا وقد أعجب صاحب كتاب « الإعجاز في دراسات السابقين » هذا الكلامُ العربيّ

--> ( 1 ) . كان أخطب العرب ، وكان يضرب به المثل « أخطب من قُسّ بن ساعدة » . يقال شهده النّبيّ صلى الله عليه وآله وهو يخطب في سوق‌عكاظ ، وقد اعترفت العرب بفضله وببيانه . ( راجع البيان والتبيين للجاحظ : ج 1 ص 247 ) .