الشيخ محمد هادي معرفة

120

تلخيص التمهيد

وفي الأداء التعبيري للسورة تناسق دقيق ملحوظ مع موضوعها وجوّها ، والّذي أثّر وقعه في نفس أُمّ جميل التي ذُعرت لها وجنّ جنونها : « أبو لهب ، سيصلى ناراً ذات لهب . . . » تناسق في اللفظ وتناسق في الصورة ، فجهنّم هنا نار ذات لهب يصلاها أبو لهب ، وهو صاحبه أبداً . « وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . . . » والحطب ممّا يوقد به اللهب . وتناسق آخر في جرس الكلمات ، مع الصوت الذي يحدثه شدّ أحمال الحطب وجذب العنق بحبل من مسد ! وهذا التناسق القويّ في التعبير جعل أُم‌ّجميل تحسب أنّ الرسول صلى الله عليه وآله قد هجاها بشعر ، وبخاصّة حين انتشرت هذه السورة وما تحمله من تهديد ومذمّة وتصوير زريّ لأُم‌ّجميل خاصّة . تصوير يثير السخريّة من امرأة معجبة بنفسها ، مُدلّة بحسبها ونسبها . ثمّ ترتسم لها هذه الصورة : « حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ، فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ » في هذا الأُسلوب القويّ الذي يشيع عند العرب ! قال ابن‌اسحاق : إنّ أُم‌ّجميل حمّالة الحطب ، حين سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن ، خرجت تهرول وتولول صارخة كالمجنونة ، تعوي في طرقات مكّة وتقول : إنّ محمّداً هجاني ، وتستنجد بالشعراء أن يهجوا محمّداً كما هجاها ، ولكنّها جعلت نفسها سخريّة للنّاس . فأتت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وهو جالس بفناء الكعبة وفي يدها فهر ( بمقدار ملئ الكف ) من الحجارة ، فلمّا وقفت عليه أخذ اللَّه ببصرها من شدّة هياجها فلم تبصر رسول اللَّه ، فجعلت تقول : أين محمّد ، أين الذي كان يهجوني ؟ ! واللَّه لو وجدته لشدخته بهذا الفهر . فجعلت تهجو النبي بقولها : مُذَمّماً عصينا . وأمره أبينا . ودينه قلينا . فانصرفت مذعورة مقهورة وكان آخر أمرها أن ماتت واجدة على أمرها في عاقبة