الشيخ محمد هادي معرفة
100
تلخيص التمهيد
يرتّلونه ترتيلًا ، فأعجبه قرآنه وبَهرته جذبته . وإنّ قريشاً لهابت تلك المفاجأة الخطيرة ، ومن ثمّ تآمرت على أن تحول دون إشاعة النبأ ، فقالوا : لئن صبأ الوليد - وهو ذو حسب ومال - لتصبأنّ قريش كلّها . قال أبو جهل : أنا أكفيكم شأنه . فانطلق حتّى دخل على الوليد بيته ، فقال له : ألم ترَ أنّ قومك قد جمعوا لك الصدقة ! ( يريد التأنيب عليه بأنّه إنّما قال كلامه الآنف طمعاً في المال ) قال : ألست أكثرهم مالًا وولداً ؟ ! فقال له أبو جهل : يتحدّثون أنّك إنّما تدخل على أصحاب محمّد لتصيب من طعامهم ! قال الوليد : أقد تحدّثت به عشيرتي ؟ ! فلا تقصر عن سائر بني قصيّ . . . فعزم أن لا يقرب أحداً من المسلمين بعد ذلك . وله شهادة أخرى نظيرتها ، قالها عندما مرّ على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وهو يتلو في صلاته بضع آيات من سورة المؤمن ، فانقلب إلى مجلس قومه مندهشاً قائلًا : واللَّه لقد سمعت من محمّد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ ، واللَّه إنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمغدق ، وإنّه يعلو ولا يُعلى عليه « 1 » . وفي رواية أخرى - ذكرها القاضي عياض - : لمّا سمع الوليد بن المغيرة من النّبيّ صلى الله عليه وآله يقرأ : « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » « 2 » أعجبته فقال : واللَّه إنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أسفله لمغدق ، وإنّ أعلاه لمثمر ، ما هذا بقول بشر « 3 » . ورواها أبو حامد الغزالي ناسباً لها إلى خالد بن عقبة ، ولعلّه أخو الوليد بن عقبة بن أبي معيط . جاء إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وقال : اقرأ عليَّ القرآن ! فقرأ عليه الآية . فقال له خالد : أعِد ! فأعاد صلى الله عليه وآله ، فقال خالد : واللَّه إنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أسفله لمغدق ، وإنّ أعلاه
--> ( 1 ) . المعجزة الخالدة للسيّد هبة الدين الشهرستاني : ص 21 . والطلاوة - مثلثة الطاء - : البهجة والنضارة . وأغدقت الأرض : أخصبت وابتلّت بالغدق وهو المطر الغزير . ( 2 ) . النحل : 90 . ( 3 ) . الشفا للقاضي عياض : ص 220 . وراجع الشرح للملّا علي القارئ : ج 1 ص 316 .