الشيخ محمد هادي معرفة

90

تلخيص التمهيد

عليه أكثرية أهل العلم « 1 » . وكان تحديدنا الآتي في نظم السوَر حسب ترتيب نزولها معتمداً على هذا الاصطلاح . نعم ، الطريق إلى معرفة مواقع النزول أنَّها كانت بمكَّة أو بالمدينة أو بغيرهما قليل جدّاً ، لأنَّ الأوائل لم يُعيروا هذه الناحية المهمَّة اهتماماً معتدّاً به ، سوى ما ذكروه في عرض الكلام استطراداً ، وهي استفادة ضئيلة للغاية ومن ثمَّ يجب لمعرفة ذلك ملاحظة شواهد وقرائن من لفظ الآية أو استفادة من لهجة الكلام ، خطاباً مع نوعيّة موقف الموجَّه إليهم أكان في حرب أم في سلم ، وعد أم وعيد ، إرشاد أو تكليف . فيما إذا أوجب ذلك علماً أو حلًاّ قطعياً لمشكلة في لفظ الآية ، كما في قوله : « فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما » « 2 » ، فإنَّ مشكلة دلالتها على مطلق الترخيص دون الإلزام والإيجاب تنحلّ بما اثر في سبب نزولها « 3 » ، الأمر الَّذي يوجب الثقة بصحَّة الأثر ، مع غضِّ النظر عن ملاحظة السند ، ومن ثمَّ فهي مدنيَّة . قال الجعبري : لمعرفة المكّي والمدني طريقان : سماعي وقياسي . فالسماعي ما وصل إلينا نزوله بأحدهما . والقياسي ، قال علقمة ، عن ابن مسعود : كلّ سورة فيها « يا أيها الناس » فقط ، أو « كلّا » ، أو أوَّلها حروف تهجّ سوى الزهراوين ( البقرة وآل عمران ) والرعد - في وجه - أو فيها قصَّة آدم وإبليس سوى الطولي ( البقرة ) أو فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية ، فهي مكّية . وكلّ سورة فيها حدّ أو فريضة ، فهي مدنية . وفي رواية : وكلّ سورة فيها : « يا أيّها الذين آمنوا » فهي مدنيَّة . قال الزركشي : وهذا القول - الأخير - إن اخذ على إطلاقه ففيه نظر ، فإنَّ سورة البقرة مدنية وفيها : « يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ » « 4 » وفيها : « يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ

--> ( 1 ) راجع البرهان للزركشي : ج 1 ص 187 ، والإتقان : ج 1 ص 9 . ( 2 ) البقرة : 158 . ( 3 ) كان المسلمون يتحرّجون السعي بين الصفا والمروة ، زعماً أنَّها عادة جاهلية تكريماً بمقام أساف ونائلة ، فنزلت الآيةدفعاً لهذا الوهم . ( راجع مجمع البيان : ج 1 ص 240 ) . ( 4 ) البقرة : 21 .