الشيخ محمد هادي معرفة

60

تلخيص التمهيد

قال الأستاذ هيكل : حديث الغرانيق حديث ظاهر التهافت ، ينقضه قليل من التمحيص ، وهو بعد حديث ينقض ما لكلّ نبيٍّ من العصمة في تبليغ رسالات ربِّه . فمن عجب أن يأخذ به بعض كتّاب السيرة وبعض المفسِّرين المسلمين . ولذلك لم يتردَّد ابن إسحاق حين سئل عنه في أن قال : إنَّه من وضع الزنادقة . لكن بعض الَّذين أخذوا به حاولوا تبرير أخذهم هذا ، فاستندوا إلى قوله تعالى : « وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ » « 1 » ، وإلى قوله « إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ » « 2 » . ويضيف « سير وليم موير » : أنَّ مرجع المسلمين الَّذين هاجروا إلى الحبشة بعد ثلاثة أشهر من إقامتهم هناك لدليل قاطع على صحَّة هذه القصّة . وهذه الحجج الَّتي يسوقها القائل بصحَّة حديث الغرانيق حجج واهية لا تقوم أمام التمحيص . أمّا رجوع المسلمين فكان سببه اضطراباً سياسيّاً عمَّ أرجاء الحبشة على أثر ثورة جديدة قامت فيها . أمّا الاحتجاج بالآيات فاحتجاج مقلوب ، لأنَّ الآية الأولى لاتشي بوقوع الأمر : « وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ » « 3 » . فالآية تقول : إنَّ اللَّه ثبَّته فلم يفعل . وأمّا آية التمنّي فلا صلة لها بحديث الغرانيق ، وقد تقدَّم شأنها . ودليل آخر أقوى وأقطع : سياق السورة وعدم احتماله لمسألة الغرانيق ، فإنّها ذمّ صريح ، ولهجة تقريع لا ينسجم وإدراج هكذا جملة ، الأمر الَّذي لا يكاد يخفى على العرب آنذاك . وأيضاً فإنّ وصف آلهة قريش بالغرانيق لم يأت في نظمهم هم ولا في خطبهم ولا شيء من معنى الغرنوق يلائم معنى الآلهة الَّتي وصفها العرب - كما قاله الشيخ محمَّد عبده - . وبقيت حجَّة قاطعة نسوقها للدلالة على استحالة قصَّة الغرانيق هذه ، من حياة محمَّد نفسه ، فهو منذ طفولته وصباه وشبابه لم يجرّب عليه الكذب قطّ ، حتّى سمّي الأمين . وكان صدقه أمراً مسلَّماً به من الناس جميعاً ، فكيف يصدَّق إنسان أنَّه يقول على ربِّه ما لم يقل ،

--> ( 1 ) الإسراء : 73 . ( 2 ) الحج : 52 . ( 3 ) الإسراء : 74 .