الشيخ محمد هادي معرفة
61
تلخيص التمهيد
ويخشى الناس واللَّه أحقّ أن يخشاه ! هذا أمرٌ مستحيل ، يدرك استحالته الَّذين درسوا هذه النفوس القوية الممتازة الَّتي تعرف الصلابة في الحقّ ولا تداجي فيه لأيِّ اعتبار « 1 » . * * * أمّا الآية من سورة الإسراء : « وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا » فهي - كما أشار إليه هيكل - صريحة في أنَّه صلى الله عليه وآله لم يفعل ، بدليل « لولا » الامتناعية . فهي إن دلَّت فإنَّما تدلّ على أنَّ مقام عصمته صلى الله عليه وآله الَّتي هي عناية من اللَّه خاصَّة بأوليائه المنتجبين هي الَّتي تحول دائماً دون ارتكاب أيَّة رذيلة مهما كانت صغيرة أو كبيرة . وكم حاول أهل الزيغ والفساد أن يميلوا بمنهج الإسلام المستقيم ، سواء بدسائسهم حال حياة الرسول صلى الله عليه وآله أم بعد وفاته ، ولكن « أَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ » « 2 » . « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » « 3 » . فالآية تضمين بسلامة هذه الشريعة دون تحريف المبطلين ، وكاف الخطاب إنّما وردت من باب « إيّاك أعني واسمَعي يا جارة » كما ورد في التفسير . وليكون ذلك اعتباراً لأولياء المسلمين طول عهد التاريخ أبداً . . وكذا الآية من سورة الحج : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ » « 4 » لا مساس لها بقصَّة الغرانيق ، بعد أن كانت تشير إلى ظاهرة طبيعية كانت تخالج نفوس كبار المصلحين أبداً ، وهي : تحكيم مباني دعوتهم الإصلاحية ، وتدعيم أسسها وقوائمها دون تضعضع أو ضياع أو فساد ، وأن تطبّق شريعة اللَّه عامَّة الخلائق وكافَّة الأمم ، وأن تزدهر معالمها وتزهو أنوارها في أرجاء العالم المعمور . هذه هي امنيَّة كلِّ رسول أو نبي ، بل وكلِّ قائم بالإصلاح خالصاً مخلصاً له الدين . غير أنَّ دسائس أهل الزيغ والفساد قد تحول دون تحقّق هذه
--> ( 1 ) حياة محمّد لمحمّد حسين هيكل : ص 124 - 129 . ( 2 ) سبأ : 52 . ( 3 ) الحجر : 9 . ( 4 ) الحج : 52 .