الشيخ محمد هادي معرفة

57

تلخيص التمهيد

فأين الضمان الَّذي ضمنه اللَّه تعالى الغالب على أمره ، وتعهَّده على نفسه في الآية المذكورة ؟ ! ج - وقال تعالى : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » « 1 » ، فقد ضمن تعالى سلامة القرآن من تلاعب أيدي المبطلين ، وحفظه عن دسائس المعاندين ، أفهل يعقل - بعد ذلك - أن يترك إبليس وشأنه في سبيل التلاعب بالذكر الحكيم فور نزوله على رسوله الكريم ؟ ! وهل هذا إلّاتهافت في الرأي وإبطال لضمان اللَّه ؟ ! ومعه لا تبقى ثقة بما وعد اللَّه المؤمنين من النَّصر والغلبة ، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً ! ! د - وقال تعالى : « إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » « 2 » ، وقال : « إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا » « 3 » فكيف نجوِّز - بعد هذا الضمان الصريح المؤكَّد - أن يتسلَّط إبليس على أخلص عباد اللَّه المكرمين ، فيلبِّس عليه ناموس الكبرياء ، وفي أمسِّ شؤون رسالته المضمونة ؟ ! على أنَّ القرآن يصرِّح أن لا سلطة لإبليس على أحد إطلاقاً ، سوى وسوسته الخدّاعة ودعوته إلى شرور ، أمّا التدخّل عملياً في شؤون الخلق أو الخالق فهذا لا سبيل لإبليس إليه إطلاقاً ، وقد حكى اللَّه سبحانه عن لسان إبليس : « وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي » « 4 » . 2 - منافاته لمقام العصمة قال القاضي عياض : وقد قامت الحجَّة وأجمعت الامَّة على عصمته صلى الله عليه وآله ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة ، إمّا تمنّيه أن ينزل عليه مثل هذا - من مدح آلهة غير اللَّه - وهو كفر ، أو أن تسوَّر عليه الشيطان ويشبِّه عليه القرآن حتّى يجعل فيه ما ليس منه ، ويعتقد النبي صلى الله عليه وآله أنَّ من القرآن ما ليس منه حتى ينبّهه جبرائيل وذلك كلّه ممتنع في حقّه صلى الله عليه وآله .

--> ( 1 ) الحجر : 9 . ( 2 ) النحل : 99 . ( 3 ) الإسراء : 65 . ( 4 ) إبراهيم : 22 .