الشيخ محمد هادي معرفة

58

تلخيص التمهيد

أو يقول النبي ذلك من قبل نفسه عمداً وذلك كفر ، أو سهواً ، وهو معصوم من هذا كلِّه . وقد قرَّرنا بالبراهين والإجماع عصمته صلى الله عليه وآله من جريان الكفر على قلبه أو لسانه ، لا عمداً ولا سهواً . أو أن يتشبَّه عليه ما يلقيه الملك ممّا يلقي الشيطان ، أو يكون للشيطان عليه سبيل ، أو يتقوَّل على اللَّه ما لم ينزل عليه ، وقد قال تعالى : « وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ . . . » « 1 » ، وقال تعالى : « إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ . . . » « 2 » « 3 » . وأيضاً فلولا العصمة الملحوظة في أداء رسالة اللَّه لزالت الثقة بالدين ، ولأخذت الشكوك مواضعها من أحكام وتكاليف وشرائع يبلِّغها النبي صلى الله عليه وآله عن اللَّه تعالى . وامتداداً لجانب عصمته صلى الله عليه وآله وأن لا سبيل لإبليس إلى شأن من شؤونه المعتصمة بعصمة اللَّه تعالى قال : من رآني فقد رآني فإنَّ الشَّيطان لا يتمثَّل بي « 4 » . وقد فهم العلماء من هذا الحديث قاعدة كليَّة : لا يستطيع إبليس التمثّل بأيِّ وليّ من أولياء اللَّه العباد المخلصين ، وبالأحرى عدم استطاعته التمثّل بجبرائيل ، ملك الوحي المقرَّب الأمين . إذاً فأنّى لإبليس التلاعب بوحي السماء ، أو أن ينتحل صورة رسول من رسل اللَّه الأكرمين ؟ كلّا ! « لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ » « 5 » . 3 - تهافته مع آي السورة قال القاضي عياض أيضاً : ووجه ثانٍ وهو استحالة هذه القصَّة نظراً وعرفاً ، وذلك أنَّ هذا الكلام لو كان - كما روي - لكان بعيد الالتئام ، متناقض الأقسام ، ممتزج المدح بالذّم ، متخاذل التأليف والنظم ، ولما كان النبي صلى الله عليه وآله ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد

--> ( 1 ) الحاقّة : 44 . ( 2 ) الإسراء : 75 . ( 3 ) الشفا للقاضي عياض : ج 2 ص 118 - 119 . ( 4 ) صحيح مسلم : ج 7 ص 57 . ( 5 ) الصافّات : 8 .