الشيخ محمد هادي معرفة
50
تلخيص التمهيد
فالنبيّ معصوم من الخطأ والنسيان ، ولا سيَّما فيما يخصّ تبليغ أحكام الشريعة . وهذا إجماع من المسلمين ومن غيرهم من عقلاء أذعنوا برسالة الأنبياء ، ولولاه لكان الالتزام بشرائع الدين سفهاً يأباه العقل « 1 » . * * * هذا مضافاً إلى ما عهد اللَّه لنبيّه بالرعاية والحفظ : « سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى » « 2 » كان صلى الله عليه وآله في بدء نزول القرآن يخشى أن يفوته شيء ، فكان يساوق جبرائيل فيما يلقي عليه كلمة بكلمة ، فنهى عن ذلك : « لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ » « 3 » . « وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً » « 4 » . قال ابن عباس : « فكان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بعد ذلك إذا أتاه جبرائيل استمع له ، فإذا انطلق قرأ كما أقرأه » « 5 » . وأخيراً فإنَّ قوله تعالى : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » « 6 » يقطع أيّ احتمال الدسّ والتزوير في نصوص القرآن الكريم . وأمّا احتمال تلبيس إبليس ليتدخّل فيما يوحى إلى النبي صلى الله عليه وآله ويجعل من تسويلاته الشيطانية في صورة وحي ويلبسه على النبي صلى الله عليه وآله ليزعمه وحياً من اللَّه فهو أمر مستحيل ، لأنَّ الشيطان لا يستطيع الاستحواذ على عقلية رسل اللَّه وعباده المكرمين : « إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ » « 7 » ، ومتنافٍ مع قوله تعالى : « وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ . لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ » « 8 » وقوله تعالى : « وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ
--> ( 1 ) راجع مباحث العصمة من شرح تجريد الاعتقاد : المسألة الثالثة من المقصد الرابع من مباحث النبوّة العامّة ص 195 . ( 2 ) الأعلى : 6 . ( 3 ) القيامة : 16 - 19 . ( 4 ) طه : 114 . ( 5 ) طبقات ابن سعد : ج 1 ص 132 . ( 6 ) الحجر : 9 . ( 7 ) الإسراء : 65 . ( 8 ) الحاقّة : 44 - 45 .