الشيخ محمد هادي معرفة
51
تلخيص التمهيد
الْقُوى » « 1 » ، وقد قال الشيطان : « وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي » « 2 » ، ومتنافٍ مع قاعدة اللطف الآنفة ، ومتناقض مع حكمته تعالى في بعث الأنبياء في شرح سبق تفصيله . نعم ، ذهب أصحاب الحديث من العامَّة إلى إمكان استحواذ الشيطان على عقلية الرسول صلى الله عليه وآله كما جاءت رواياتهم لقصَّة الغرانيق « 3 » ، الأمر الَّذي نراه مستحيلًا إطلاقاً ، ومن ثمَّ فهي أسطورة وضعها من يريد الامتهان بمقام الرسالة ، ليعبّر بها على عقول البسطاء ، فكانت غنيمة بأيدي أعداء الإسلام . وإليك نصُّ الأسطورة ونقدها تباعاً : أسطورة الغرانيق روى ابن جرير الطبري بإسناد زعمها صحيحة ، عن محمَّد بن كعب ، ومحمَّد بن قيس ، وسعيد بن جبير ، وابن عبّاس ، وغيرهم : أنَّ النّبي صلى الله عليه وآله كان في حشد من مشركي قريش ، بفناء الكعبة ، أو في نادٍ من أنديتهم ، وكانت تساوره نفسه لو يأتيه شيء من القرآن يقارب بينه وبين قومه الألدّاء ، إذ كان يتألّم من مباعدتهم ، وكان يرجو الائتلاف معهم مهما كلَّف الأمر ، وإذاً نزلت عليه سورة النجم ، فجعل يتلوها حتّى إذا بلغ : « أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى . وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى » « 4 » ألقى عليه الشيطان : « تلك الغرانيق العُلى وإنَّ شفاعتهنَّ لترتجى » فحسبها وحياً ، فقرأها على ملأ من قريش ، ثمَّ مضى وقرأ بقية السورة . حتّى إذا أكملها سجد وسجد المسلمون ، وسجد المشركون أيضاً ، تقديراً بما وافقهم محمَّد صلى الله عليه وآله في تعظيم آلهتهم ورجاء شفاعتهم . وطار هذا النبأ حتّى بلغ مهاجري الحبشة ، فجعلوا يرجعون إلى بلدهم مكَّة فرحين بهذا التوافق المفاجئ ، كما فرح النّبي صلى الله عليه وآله أيضاً بتحقيق أُمنيَّته القديمة على
--> ( 1 ) النجم : 3 - 5 . ( 2 ) إبراهيم : 22 . ( 3 ) الغرانيق : جمع الغرنوق . وهو الشابّ الناعم الأبيض ، وفي الأصل : اسم لطير الماء ( مالك الحزين ) وهو تشبيه آلهةالمشركين بطيور بيض متحلّقة في أجواء السماء ، كناية عن قربهم من اللَّه . ( 4 ) النجم : 19 و 20 .