الشيخ محمد هادي معرفة

49

تلخيص التمهيد

تجلّيات وإشراقات نورية تغشاه من عالم الملكوت ، لينصرف بكلّيته إلى لقاء روح اللَّه وتلقّي كلماته ، فيرى حقيقة الحقّ النازل عليه بشعورٍ واعٍ وبصيرةٍ نافذة ، كمن يرى الشمس في وضح النهار ، لا يحتمل خطأً في إبصاره ولا التباساً فيما يعيه . وهكذا الوحي ، إذ لم يكن فكرة نابعة من داخل الضمير ، ليحتمل الخطأ في ترتيب مقدّمات استنتاجها ، أو إبصاراً من بعيد ليتحمَّل التباساً في الانطباق « 1 » . بل هي مشاهدة حقيقة حاضرة بعين نافذة ، فاحتمال الخطأ فيه مستحيل . * * * تلك طريقة علمية فلسفية « 2 » تهدينا إلى الاعتراف بعدم احتمال الوحي الخطأ أبداً . ومن ثمَّ فإنَّ شريعة اللَّه النازلة على أيدي رسله الامناء مصونة عن احتمال الخطأ رأساً . وهناك طريقة أخرى عقلية تحتم لزوم عصمة الأنبياء فيما يبلِّغون من شرائع اللَّه ، يفصِّلها علماء الكلام . وتتلخَّص في أنَّ النبي المبلِّغ عن اللَّه يجب - في ضوء قاعدة اللطف - أن ينعّم بصحَّة كاملة في أجهزة إحساسه ، وسلامة تامَّة في قوى مشاعره ، وفي مقدرته العقليّة ، فيكون مستقيماً في آرائه ونظرياته ، معتدلًا في خُلقه وسيرته ، مستوياً في خِلقَته وصورته . وبكلمة جامعة : يجب أن يختار اللَّه لرسالته إنساناً كاملًا في خلقه وخُلُقه ، كي لا يتنفَّر الناس من معاشرته ، ويطمئنّوا إلى ما يبلِّغه عن اللَّه ، وإلّا كان نقضاً لغرض التشريع .

--> ( 1 ) الخطأ إنّما يحتمل في مجالين : إمّا في مجال التفكير أو في مجال الإبصار الخارجي - مثلًا - وذلك لأن للاستنتاج الفكريشرائطاً وأحكاماً ، إذا ما أهملها المتفكّر فسوف يقع في خطأ التفكير ، وكذلك إبصار العين الخارجية إذا كان من بعيد ، فربما يقع الخطأ فيه من ناحية تطبيق ما عند النفس من مرتكزات ومعلومات على خصوصيات يراها موجودة في العين الخارجية ، فالخطأ إنَّما هو في هذا التطبيق النفسي لا في العين المشاهدة ، لأنّ الإبصار عبارة عن انطباق صورة الخارج - وهي واقعية لا تتغير - في الشبكة العصبية خلف بؤرة العين ، وهذه ظاهرة طبيعية تتحقّق ذاتياً إذا ما تحقّقت شرائطها . نعم ، كأنّ النفس هي التي تحكم على ما شاهدته العين بأنّه كذا وكذا ، والخطأ إنّما هو في هذا الحكم لا في ذاك الإبصار الطبيعي . إذاً فبما أنّ الوحي خارج عن الأمرين ، لا تفكير ولا إبصار من بعيد - مثلا - وإنّما هو لمس حقيقة حاضرة فلا موقع للخطأ فيه أصلًا . ( 2 ) راجع ما كتبه الأستاذ العلّامة الطباطبائي بهذا الصدد في رسالة الوحي « وحي يا شعور مرموز » : ص 104 .