الشيخ محمد هادي معرفة
434
تلخيص التمهيد
العقول أو يعرضه التقطّع والتفصيل ، لكنَّه تعالى عنايةً بعباده جعله كتاباً مقروءً وألبسه لباس العربيَّة ، لعلَّهم يعقلون ما لم يكن لهم سبيل إلى تعقّله ومعرفته ما دام في امِّ الكتاب . قال تعالى : « كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » « 1 » فالإحكام هو كونه عند اللَّه لا ثلمة فيه ولا تفصيل ، والتفصيل هو جعله فصلًا فصلًا وآيةً آيةً وتنزيله على النبي صلى الله عليه وآله « 2 » . * * * ولعلَّ ما زعمه ابن تيميَّة ناجم عن خلط أمر المصداق بأمر التأويل ، إذ لم يعهد إطلاق اسم « التأويل » على الوجود العيني ، وإنّما يطلق عليه اسم « المصداق » حسب مصطلح الفنّ . فإنّ كلَّ لفظة لها مفهوم هو ما يتصوَّره الذهن من دلالة ذلك اللفظ . ولها مصداق هو ما ينطبق عليه ذلك المفهوم خارجاً ، كالتفّاحة لها مفهوم هو وجودها التصوّريّ الذهني ، ولها مصداق هو وجودها العينيّ الخارجي ، ذو الآثار والخواصّ الطبيعية ، ولم يعهد إطلاق اسم التأويل على هذا الوجود العيني للتفّاحة أصلًا . ومنشأ الاشتباه أخذ التأويل من أصل اشتقاقه اللغوي بمعنى « مآل الأمر » أي ما يؤوّل إليه أمر الشيء ، كما في قوله تعالى : « هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ » « 3 » أي ينتظر هؤلاء لينظروا إلى ما يؤوّل أمر هذا الدين ، ويوشك أن يأتي اليوم الَّذي ينتظرونه ، غير أنَّ الفرصة قد فاتتهم ولاتَ الساعة ساعة مندم . * * * أمّا رأي سيِّدنا الطباطبائي فلا يعدو توجيهاً لطيفاً للمزعومة المتقدِّمة ، وتبدو عليه مسحة عرفانية غير مستندة ، ومن ثمَّ فهي غريبة شذَّت عنه قدس سره . وقبل أن نتكلَّم في وجه تفنيدها يجب أن نعرف أن ليس اللوح المحفوظ شيئاً ذا وجود بذاته ، كوعاء أو لوحة أو
--> ( 1 ) هود : 1 . ( 2 ) راجع تفسير الميزان : ج 5 ص 25 و 45 و 49 و 54 و 55 . ( 3 ) الأعراف : 53 .