الشيخ محمد هادي معرفة

435

تلخيص التمهيد

مكان خاصّ ، مادّياً أو معنوياً ، كلّا ، وإنّما هو كناية عن علمه تعالى الأزليّ الَّذي لا يتغيَّر ولا يتبدَّل ، وهو المعبَّر عنه بالكتاب المكنون وامّ الكتاب أيضاً ، وغيرهما من تعابير لا تعني سوى علمه تعالى المكنون الَّذي لا يطّلع عليه أحد إطلاقاً . وبعد فقوله تعالى : « وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ » « 1 » لا يعني أنّ للقرآن وجوداً آخر في وعاء « امّ الكتاب » ، وإنّما جاءت هذه الاستفادة الخاطئة من توهّم المكان من قوله : « لدينا » . بل المقصود : أنّ لهذا القرآن شأناً عظيماً عند اللَّه في سابق علمه الأزلي والتعبير بأُمِّ الكتاب كان بمناسبة أنّ علمه تعالى هو مصدر الكتاب وأصله المتفرّع منه . وقوله تعالى : « إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ . لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » « 2 » يعني نفس‌هذا القرآن الَّذي بأيدي الناس ، فهو من كتاب مكنون ، أي قدِّر له البقاء في علمه تعالى الأزلي ، وجاء هذا المعنى صريحاً بتعبير آخر : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » « 3 » وقوله : « لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » « 4 » يعني لا يدرك كنه معناه ولا يبلغ الاهتداء به على الحقيقة إلّاالَّذين طهرت نفوسهم عن الزيغ والانحراف « ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ » « 5 » . وقوله تعالى : « بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ . فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ » « 6 » أي قدّر في علمه أنّه يبقى محفوظاً عن كيد الخائنين وتحريف المبطلين ، لا يمسّوه بسوء أبداً . هذا ، ولعلّنا أوجزنا الكلام عن آيات تمسّكوا بها في المقام ، لأنّا أجَّلنا البحث عن دلائلها إلى مجال التفسير إن شاء اللَّه . * * * ثمَّ لنفرض أنّ وراء هذا القرآن الّذي بأيدينا قرآناً آخر ، ذا وجود مستقلٍّ فما هي الفائدة

--> ( 1 ) الزخرف : 4 . ( 2 ) الواقعة : 77 - 79 . ( 3 ) الحجر : 9 . ( 4 ) الواقعة : 79 . ( 5 ) البقرة : 2 . ( 6 ) البروج : 21 و 22 .