الشيخ محمد هادي معرفة
433
تلخيص التمهيد
ونعته . وهذا معرفة الكلام ومعناه وتفسيره . وتأويل ذلك هو نفس محمّد المبعوث ، فالمعرفة بعينه معرفة تأويل ذلك الكلام . وكذلك إذا عرف الإنسان الحج والمشاعر وفهم معنى ذلك ، ولا يعرف الأمكنة حتى يشاهدها ، فتكون تأويل ما عرفه أوّلًا . . . » . « 1 » وقد أشاد السيد محمد رشيد رضا من هذه النظرة التيميّة وأعجبته غاية الإعجاب ، بل وفضّلها على نظرة شيخه الإمام محمّد عبده ( ما يؤول إليه أمر الشيء ) ، « 2 » وحسبه منتهى التحقيق والعرفان ، والبيان الذي ليس وراءه بيان ، وأسهب في سرد كلامه . « 3 » وهكذا ذهب سيّدنا العلّامة الطباطبائي قدس سره إلى أنَّ التأويل ليس من مداليل الألفاظ ، وإنَّما هو عين خارجية ، وهي الواقعية الَّتي جاء الكلام اللفظي تعبيراً عنها . قال : الحقُّ في تفسير التأويل أنَّه الحقيقة الواقعية الّتي تستند إليها البيانات القرآنية ، من تشريع وموعظة وحكمة ، وأنَّه موجود لجميع آي القرآن ، وليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالألفاظ ، بل هي من الأمور العينية المتعالية من أن تحيط بها شبكات الألفاظ . وأنّ وراء ما نقرأه ونتعقّله من القرآن أمراً هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد ، والمتمثّل من المثال وليس من سنخ الألفاظ ولا المعاني ، وهو المعبَّر عنه بالكتاب الحكيم ، وهذا بعينه هو التَّأويل ، ومن ثمَّ لا يَمَسُّه إلّاالمطهَّرون ، قال تعالى : « إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ . لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » « 4 » . وقال : « بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ . فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ » « 5 » . وقال : « إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ » « 6 » . فهذه الآيات تدلّ على أنَّ القرآن النازل كان عند اللَّه أمراً أعلى وأحكم من أن تناله
--> ( 1 ) راجع : تفسير سورة الإخلاص ، ص 103 . ورسالة الإكليل ، ص 18 . وهي مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل الكبرى ، ج 2 . وتفسير المنار ، ج 3 ، ص 195 . ( 2 ) راجع : تفسير المنار ، ج 3 ، ص 167 ، ذيل الآية : 53 من سورة الأعراف . ( 3 ) راجع : تفسير المنار ، ج 3 ، ص 172 - / 196 . ( 4 ) الواقعة : 77 - 79 . ( 5 ) البروج : 21 و 22 . ( 6 ) الزخرف : 3 و 4 .