الشيخ محمد هادي معرفة
381
تلخيص التمهيد
مِنَ الْأَوَّلِينَ . وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ » « 1 » لا يصلح ناسخا لقوله : « ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ » « 2 » فيما زعمه مقاتل بن سليمان ، لأنَّ الآية إخبار عن واقعية لا تتغيَّر بالوجوه والاعتبار . وهكذا الإباحة الأصلية ترتفع بحدوث التشريع من غير أن يكون ذلك نسخاً ، حيث تلك الإباحة لم تكن بتشريع ، وإنَّما كانت بحكم العقل الفطري ( البراءة العقلية ) موضوعها : عدم التشريع فترتفع بالتشريع . فقوله : « فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ » « 3 » لا يصلح ناسخاً لقوله : « وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ » « 4 » ، لأنَّ جواز القعود قبل نزول آية النساء لم يكن مستفاداً من آية الأنعام ، بل كان وفق الإباحة الأصلية ، ونزلت آية الأنعام دفعاً لتوهّم الحظر ، حيث كان النهي خاصّاً بالنبي صلى الله عليه وآله ، فتوهّم المسلمون شموله للمؤمنين أيضاً . خامساً : التحفُّظ على نفس الموضوع ، إذ عندما يتبدَّل موضوع حكم إلى غيره فإنَّ الحكم يتغيَّر لا محالة ، حيث الحكم قيد موضوعه وليس هذا نسخاً . فمثل قوله تعالى : « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا . . . » « 5 » لا يصلح ناسخاً لقوله : « إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى . . . » « 6 » ، لأنَّ الّذي يبيِّن غير الَّذي يكتم « 7 » . وهكذا كلّ استثناء أو تخصيص ورد على حكم عامّ ، فقد زعموهما نسخاً على خلاف المصطلح ، فيما سيأتي . ومن هذا الباب ما إذا طرأ عنوان ثانوي يختلف حكمه عن العنوان الذاتي الأوَّلي ، كالاضطرار والحرج والتقية ، تعرض شيئاً فتجعله جائزاً بعد أن كان بعنوانه الذّاتي حراماً مثلًا ، كالخمر تحلّ إذا اضطرّ إلى شربها ، وهذا لا يسمّى نسخاً في الاصطلاح ، نظراً لأنَّ الحكم الأوَّل ثابت للخمر بعنوانها الذاتي ولا يزال . وأمّا الحكم الثاني العارض فهو طارئ
--> ( 1 ) الواقعة : 39 و 40 . ( 2 ) الواقعة : 13 و 14 . ( 3 ) النساء : 140 . ( 4 ) الأنعام : 69 . ( 5 ) البقرة : 160 . ( 6 ) البقرة : 159 . ( 7 ) راجع ابن حزم ( بهامش الجلالين ) : ج 2 ص 160 .