الشيخ محمد هادي معرفة
379
تلخيص التمهيد
القديمة . يفترق النسخ عن التخصيص : أنَّ الأول قطع لاستمرار التشريع السابق بالمرَّة ، بعد أن عمل به المسلمون في فترة من الزمن طويلة أم قصيرة . أمّا التَّخصيص فهو قصر الحكم العامّ على بعض أفراد الموضوع ، وإخراج البقية عن الشمول ، قبل أن يعمل المكلَّفون بعموم التكليف . فالنسخ اختصاص للحكم ببعض الأزمان . والتخصيص اختصاصه ببعض الأفراد . ذاك تخصيص أزمانيّ ، وهذا تخصيص أفراديّ ، ولا يشتبه أحدهما بالآخر . نعم ، يشتركان في جامع بينهما ، هو : ارتكاب خلاف ظاهر بدائيّ في كلّ منهما ، كان التشريع الأوَّل ظاهراً بطبعه في الاستمرار ، فجاء الناسخ ليزيل هذا التوهّم ، ويبيِّن أنَّ الحكم كان محدوداً من الأوَّل ، وإن كان لا يعلم به الناس . وهكذا التخصيص ، بيان للمراد الحقيقي من اللفظة الظاهرة بطبعها في العموم . فجاء المخصِّص كاشفاً عن الواقع المقصود . فكان كلّ من النسخ والتخصيص أداة كشف عن المراد الحقيقي للمشرِّع الأوَّل الحكيم . شروط النسخ نستطيع على ضوء ما تقدَّم أن نحدِّد « النسخ في القرآن » تحديداً يميِّزه عن كلِّ ما يشبهه من نظائر بالشروط التالية : أوَّلًا : تحقّق التنافي بين تشريعين وقعا في القرآن - بحيث لا يمكن اجتماعهما في تشريع مستمرّ تنافياً ذاتيّاً ، كما في آيات وجوب الصفح مع آيات القتال . أو بدليل قاطع دلَّ على نقض التشريع السابق بتشريع لاحق ، كما في آية الإمتاع إلى الحول مع آية الاعتداد بأربعة أشهر وعشرة أيّام وآية المواريث ، فقد قام الإجماع على نسخ الأولى بالأخيرتين . أمّا في صورة عدم التنافي بين آيتين ، كما في آية الإنفاق وآية الزكاة ، فلا نسخ اصطلاحيّاً وإن توهَّمه البعض ، حيث تشريع الإنفاق في سبيل اللَّه ثابت مستمرّ ، مندوب إليه في الإسلام مع الأبد ، والزكاة واجبة كذلك ، ولا تنافي بين استحباب الأوَّل ووجوب