الشيخ محمد هادي معرفة
36
تلخيص التمهيد
قَلْبِكَ » « 1 » . قال تعالى : « وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى » : جبرائيل ، مثال قدرته تعالى « ذُو مِرَّةٍ » أي ذو عقليَّة جبّارة « فَاسْتَوى » : استقام على صورته الأصليَّة ، وهذا هو المرَّة الأولى في بدء الوحي « وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى » : سدَّ ما بين الشرق والغرب « ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى » : فجعل يقترب من النبي صلى الله عليه وآله « فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى . فَأَوْحى » اللَّه بواسطة جبرائيل « إِلى عَبْدِهِ » محمَّد صلى الله عليه وآله « ما أَوْحى . ما كَذَبَ الْفُؤادُ » : فؤاد محمَّد صلى الله عليه وآله « ما رَأى » فكان قلبه صلى الله عليه وآله يصدّق بصره فيما يرى أنَّه حقٌّ « أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى . وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى » : مرَّة ثانية في مرتبة أنزل من الأولى « عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى . عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى . إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى . ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى » « 2 » فكان الَّذي يراه حقيقة واقعة ، ليس وهماً ولا خيالًا . وقال : « إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ » : جبرائيل « ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ . وَما صاحِبُكُمْ » : محمَّد صلى الله عليه وآله « بِمَجْنُونٍ . وَلَقَدْ رَآهُ » : رأى جبرائيل في صورته الأصلية « بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ » « 3 » . إشارة إلى المرَّة الأولى أيضاً . قال ابن مسعود : إنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لم ير جبرائيل في صورته إلّامرَّتين ، إحداهما أنَّه سأله أن يراه في صورته فأراه صورته فسدَّ الأفق ، وأمّا الثانية فحيث صعد به ليلة المعراج ، فذلك قوله : « وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى » « 4 » . والصحيح أنَّ المرَّتين كانت إحداهما في بدء الوحي بحراء . ظهر له جبرائيل في صورته الَّتي خلقه اللَّه عليها ، مالئاً أفق السماء من المشرق والمغرب ، فتهيَّبه النبي صلى الله عليه وآله تهيّباً بالغاً ، فنزل عليه جبرائيل في صورة الآدميّين فضمَّه إلى صدره ، فكان لا ينزل عليه بعد ذلك إلّا في صورة بشر جميل . والثانية كانت باستدعائه صلى الله عليه وآله الّذي جاءت به الروايات : « كان لا يزال يأتيه جبرائيل في
--> ( 1 ) الشعراء : 193 و 194 . ( 2 ) النجم : 3 - 17 . ( 3 ) التكوير : 19 - 23 . ( 4 ) الدرّ المنثور : ج 6 ص 123 .