الشيخ محمد هادي معرفة
355
تلخيص التمهيد
وهذا الكلام يستدعي أنّ ورشاً تبع نافعاً في الهمز بالجميع . وهذا غريب ، كيف أنّ نافعاً قارئ المدينة يخالف رأي نبيّها وأهلها والمسلمين في النبر في القرآن ؟ ! قال سيبويه : ليس أحد من العرب إلّاويقول : تنبّأ مسيلمة ، بالهمز ، غير أنّهم تركوا الهمز في النبيّ كما تركوه في الذرّية والبرية والخابية . إلّاأهل مكّة فإنّهم يهمزون هذه الأحرف الثلاثة ولا يهمزون غيرها ، ويخالفون العرب في ذلك « 1 » . إذاً كانت قراءة عاصم وفق لغة قريش الذين نزل القرآن بلغتهم ، كما كانت متوافقة مع الفصيح من لغة العرب جميعاً ، وقد نزل القرآن عربيّاً وعلى لغتهم ولهجتهم . . . سوى أنّ ( ورشاً ) وشيخه ( نافعاً ) خالفا قريشاً وسائر العرب أجمعين . وقد قال تعالى : « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ . بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ » « 2 » . * * * « قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً » « 3 » . قرأ نافع : « هُزْءً » . والباقون : « هُزُءً » . وقرأ حفص : « هُزُواً » بغير همز وضمّتين ، لأنّه كره الهمز بعد ضمّتين في كلمة واحدة فلينّها ، وهي المتوافقة مع لغة العرب الفصحى السلِسَة ، وهي القراءة المعروفة عند عامّة المسلمين . قال مكّي : « هزواً ، وكفواً ، وجزءً » قرأ حمزة بإسكان الزاي والفاء ، وضمّها الباقون . وكلّهم هَمَز إلّا « حفصاً » فإنّه أبدل من الهمزة واواً مفتوحةً على أصل التخفيف « 4 » . « إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ » « 5 » . قرأ نافع : « ولا تَسْألْ » نهياً ولا وجه له . إلّاعلى مذهب فاسد تركناه « 6 » . وقرأ عاصم والباقون : « ولا تُسْأَلُ » أي لستَ مسؤولًا عنهم ، كما في قوله تعالى : « فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ . لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ » « 7 » . ونظيرها من آيات نزلت تسلية لخاطره صلى الله عليه وآله ، كانت نفسه الكريمة
--> ( 1 ) نهاية ابن الأثير : ج 5 ص 4 . ( 2 ) الشعراء : 193 - 195 . ( 3 ) البقرة : 67 . ( 4 ) راجع الكشف : ج 1 ص 247 ، وحجّة القراءات : ص 101 . ( 5 ) البقرة : 119 . ( 6 ) راجع حجّة القراءات : ص 111 . ( 7 ) الغاشية : 21 - 22 .